تقرير الأمن الإسباني لعام 2025: انخفاض عدد المغادرين من المغرب، و«الطريق الجزائري» يأخذ المكان

أدى تشديد الرقابة الأمنية وإغلاق المنافذ على مسار المغرب إلى تحول في تدفقات الهجرة في حوض غرب البحر الأبيض المتوسط نحو "الطريق الجزائري" باتجاه جزر البليار. ويدعو تقرير الأمن القومي الإسباني لعام 2025 إلى تعزيز التعاون بشكل أكبر مع الجزائر.

5 min de lecture
خريطة "الطريق الجزائري" منشورة على موقع Info Migrants Translated with https://laratranslate.com

يُسلط التقرير الرسمي للأمن القومي في إسبانيا، في طبعته لعام 2025، الضوء على هذا التحول الهيكلي في ديناميكيات الهجرة بغرب المتوسط، حيث يولي اهتماماً خاصاً للارتفاع الملحوظ في معدلات انطلاق القوارب من السواحل الجزائرية. ولا يصيغ قسم الأمن القومي الإسباني أي اتهامات أو أحكام سياسية، والتي تُعد من شيم الحركات المناهضة للأجانب مثل حزب “فوكس” (Vox)، الذي بات يلقى تأييداً متزايداً على هذا الخط من قبل الحزب الشعبي (اليمين المحافظ). ومع ذلك، يسجل التقرير، من منظور مؤسساتي بحت، أن الشريط الساحلي الجزائري قد أصبح ممرًا رئيسيًا للهجرة غير النظامية نحو إسبانيا.

لعبة الأواني المستطرقة بين المغرب والجزائر

يرصد التقرير إعادة تشكيل واسعة النطاق لمسارات الهجرة في المنطقة، حيث أعيد تنظيم التدفقات بشكل كبير نتيجة لتعزيز الضوابط الأمنية على الطرق التقليدية. فالمغرب، الذي سبق وأن استخدم ورقة الهجرة للضغط على قرارات مدريد، غيّر موقفه بعد الـ “جيرو” (المنعطف) الإسباني بشأن قضية الصحراء الغربية. ورغم أن التقرير الرسمي لا يتطرق مباشرة إلى هذا الجانب السياسي، إلا أنه يرصد تداعياته العملياتية بوضوح؛ إذ أدت المراقبة الأمنية المكثفة والتعاون الأمني بين الرباط ومدريد إلى انخفاض ملموس في التدفقات المنطلقة من شمال المغرب وعبر مضيق جبل طارق. ونتيجة لذلك، انتقل ضغط الهجرة نحو الشرق، في لعبة أوانٍ مستطرقة دفعت بـ “الطريق الجزائري” (Ruta argelina) نحو جزر البليار إلى الصدارة، ليتحول هذا المسار بين الجزائر وإسبانيا، والذي كان يُعتبر ثانوياً في السابق، إلى محور نشط للغاية.

طريق جزر البليار في ميزان الأرقام

دون تقديم بيانات رقمية مفصلة في نسخته العامة، يشير التقرير الرسمي إلى “زيادة في التدفقات من الجزائر تسببت في ارتفاع عدد الوافدين إلى جزر البليار”. وللتذكير، قدمت مصادر “غير رسمية” داخل أجهزة الأمن الإسبانية، نقلتها صحيفة “إل كونفيدينسيال” (El Confidencial)، تقديرات للوافدين من الجزائر خلال عام 2025؛ وحسب هذه التقديرات، غادر نحو 14,000 شخص السواحل الجزائرية بحراً صوب إسبانيا في عام 2025. ومن بين هؤلاء المغادرين، يُقدر عدد المواطنين الجزائريين بنحو 9,500 شخص، بينما يضم بقية التدفق مهاجرين من دول جنوب الصحراء، بما في ذلك طيف بارز يضم 1,700 صومالي. وقد جعل القرب الجغرافي لجزر مايوركا و إيبيزا وفورمينترا منها الوجهة الرئيسية لهذه التدفقات.

واقع مزدوج: اجتماعي وتقني

يتغذى “الطريق الجزائري” بالدرجة الأولى من “الحراقة” الجزائريين، وغالباً ما يكونون من فئة الشباب، غير أن السلطات باتت تسجل بشكل متزايد وصول نساء وحتى عائلات بأكملها. كما أصبح هذا الطريق أيضاً مسار ترانزيت مفضل للمهاجرين من جنوب الصحراء الذين يتجنبون شمال المغرب أو طريق الأطلسي نحو جزر الكناري الشديد الخطورة.

ومع مبدأ “الطلب يخلق العرض”، عملت شبكات التهريب التي تنشط انطلاقاً من السواحل الجزائرية على “أتمتة وتصنيع” أساليبها؛ حيث تتيح القوارب السريعة ومراكب الـ “غو-فاست” (Go-fast) الوصول إلى الأرخبيل الإسباني في غضون ساعات قليلة. وتؤدي هذه الوصولات المتزامنة والمكثفة بانتظام إلى إشباع الطاقة الاستيعابية المحلية وضغطٍ على أنظمة المراقبة التابعة للحرس المدني الإسباني (Guardia Civil).

حتمية التعاون التقني

بالنسبة لمدريد، يندرج تسيير هذا الطريق الجزائري بشكل كامل ضمن الاستراتيجية الشاملة للأمن القومي. وتشدد الوثيقة الرسمية بشكل حاسم على أهمية الحفاظ على قنوات اتصال عملياتية ودائمة مع الجزائر. وتسلط مدريد الضوء على ضرورة توطيد التعاون التقني وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي مع السلطات الجزائرية، وهو شق يُعتبر حيوياً لتفكيك الشبكات الإجرامية لتهريب البشر وتأمين الحدود البحرية المشتركة.

إنعاش عمليات الترحيل نحو الجزائر

على الصعيد الثنائي، يبدو المناخ الحالي مواتياً بشكل خاص لهذه الديناميكية مع الانفراج التدريجي في العلاقات بين الجزائر ومدريد. وقد أفادت وسائل إعلام إسبانية عدة، هذا السبت، باستئناف إجراءات ترحيل المواطنين الجزائريين، والتي كانت مجمدة خلال فترة الأزمة الدبلوماسية. واستندت هذه الصحف إلى وثيقة داخلية صادرة عن المفوضية العامة للهجرة والحدود موجهة إلى كبار المسؤولين في الشرطة الوطنية بشأن “استئناف عمليات الطرد نحو الجزائر”. 

وجاء في نص الوثيقة الأمنية صراحة: «بعد مفاوضات طويلة أجرتها هذه المفوضية العامة ومصالح أخرى تابعة لوزارة الداخلية، تم حل الوضع الذي كان يعيق طرد المواطنين الجزائريين في وضعية غير نظامية». ويأتي هذا الانفراج العملياتي المهم ليعطي ترجمة ملموسة ومباشرة للتوجيهات الاستراتيجية التي صاغها تقرير الأمن القومي الإسباني الأخير

Partager cet article