في سن الخامسة والسبعين، تجد الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة نفسها أمام حكم قضائي بالغ القسوة صادر عن الدائرة الجنائية في تونس، ترافق مع غرامة مالية ضخمة تتجاوز 1.7 مليار دينار. هذا القرار غير المسبوق، الناتج عن ملفين منفصلين يتعلقان بإدارة مسار العدالة الانتقالية، يرسّخ أكثر من أي وقت مضى منطق التعسف، ويكشف مستوى السيطرة المفروضة على الجهاز القضائي.
وخلف الغطاء القانوني لهذه المحاكمة، تبدو تهمة تزوير التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة مجرد ذريعة تقنية لتصفية سياسية واضحة. فبدلًا من قراءة عمل بن سدرين في سياق توثيق الانتهاكات، جرى اتهامها بإدراج فقرة تتعلق بفساد البنك الفرنسي التونسي، في قلب للأدوار لا يخفي طبيعته الانتقامية، حيث تتحول من مدافعة عن كشف فساد الدولة إلى متهمة بجرائم مالية.
أما “جريمتها” الحقيقية، فتتمثل في إدارة مشروع الذاكرة الوطنية لقمع الدولة، عبر جمع أكثر من 60 ألف شكوى وتوثيق الانتهاكات التي طالت فترات حكم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وهو ما يجعلها في صلب مواجهة مباشرة مع منظومات ما قبل الثورة.
انتقام المنظومة الأمنية
هذا الحكم بالسجن خمسة وعشرين عامًا، الذي يرقى عمليًا إلى عقوبة إعدام بطيء بحق امرأة في السبعينيات تعاني من وضع صحي هش بعد إضراب عن الطعام، يعكس عودة الانتقام الكامل للمنظومة الأمنية القديمة.
فالهياكل التي كانت قد اصطدمت سابقًا بمطالب فتح الأرشيف الوطني ووزارة الداخلية، استعادت اليوم نفوذها الكامل داخل الدولة تحت رئاسة قيس سعيد. ومن خلال تجريم عمل هيئة الحقيقة والكرامة، لا يكتفي النظام بمعاقبة شخصية صلبة، بل يسعى إلى محو عقود من الانتهاكات من الذاكرة التاريخية، بما يرسّخ منطق الإفلات الدائم من العقاب.
انزلاق نحو الاستبداد
هذا الانزلاق نحو الاستبداد يكرّس انهيار استقلالية القضاء في تونس، الذي بات يُختزل في وظيفة تسجيل الاتهامات وتوظيفه كأداة لإقصاء المعارضين. فالمحاكم، وقد جُرّدت من دورها التحكيمي، أصبحت وسيلة لإغراق الرأي العام بالاتهامات وتشويه رموز المجتمع المدني.
وباستهداف سهام بن سدرين بهذه القسوة، يوجّه الحكم رسالة ترهيب مباشرة إلى ما تبقى من الأصوات النقدية في البلاد. كما يؤكد أن السلطوية التونسية المعاصرة تجاوزت مستوى من العنف المؤسسي لم يبلغه حتى بعض أنظمة الاستبداد السابقة، مستبدلةً فكرة العدالة بمنطق دولة الرهبة.


