دارمانان في الجزائر، سعيود في باريس.. العلاقات الجزائرية الفرنسية تبحث عن التهدئة

دارمانان في الجزائر، وسعيود في باريس. بين الجزائر وفرنسا، تبدو هذه أولى مؤشرات الانفراج. في انتظار عودة الدفء الكامل إلى العلاقات، بدأت الروابط بين العاصمتين تخرج أخيراً من نفق «التوترات القصوى».

6 min de lecture
إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، في 14 يونيو 2024، في إيطاليا، خلال اجتماع مجموعة السبع

من المقرر أن يقوم وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، بزيارة إلى فرنسا «خلال أيام قليلة». وجاء هذا الإعلان على لسان نظيره الفرنسي، لوران نونيز، في مقابلة أجراها مع صحيفة لا تريبون دو ديمانش (La Tribune du Dimanche)، حيث أضاف قائلاً: «إنها إشارة إيجابية للغاية». وتسبق هذه الخطوة زيارة يقوم بها غداً، الاثنين 18 ماي، وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر العاصمة.

ووفقاً لوزارة العدل الفرنسية، نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية، ستتمحور المحادثات حول التعاون القضائي وبعض «الملفات الحساسة»، بما في ذلك قضية الصحفي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب». من جانبها، تُصر الجزائر على تسوية وضعية موظف قنصلي جزائري وُضع رهن الحبس المؤقت في إطار تحقيق قضائي مرتبط بقضية أمير دي زاد. ومثلما هو الحال مع كريستوف غليز، استفاد الموظف القنصلي من «حقوق الزيارة»، وذلك في ظل «الاحترام الصارم لاستقلالية القضاء»، كما تؤكد وزارة العدل الفرنسية.

الصراخ بصوت عالٍ ضد الجزائر لم يفضِ إلى شي
ئ”

ترى وزارة العدل الفرنسية أن العمل الثنائي يسير«في أجواء من الثقة» مع السلطات الجزائرية، مشيرة إلى أن «الصراخ بصوت عالٍ جداً ضد الجزائر لم يفضِ إلى شيء». وأوضحت الوزارة أن «أفضل طريقة لإطلاق سراح مواطننا هي، بلا شك، عدم التحدث عن الأمر أكثر من اللازم». وينطبق هذا التوجه أيضاً على حالة الموظف القنصلي الجزائري. أما بالنسبة لكريستوف غليز، فإن تراجعه عن الطعن بالنقض يفتح الباب أمام إمكانية صدور عفو رئاسي بحقه
.
وفي خطوة «غير مسبوقة»، يصل دارمانان مرفوقاً بالمدعي العام المالي الوطني، باسكال براش
 (Pascal Prache). ويهدف هذا المستجد إلى الاستجابة للانتقادات الجزائرية المتعلقة بضعف تجاوب الطرف الفرنسي في ملف الأموال والأصول المهربة («الممتلكات غير المشروعة»). وقد تجسد هذا الوضع بوضوح في مارس 2025 عندما رفض القضاء الفرنسي تسليم الوزير الأسبق عبد السلام بوشوارب. ورداً على ذلك، أعربت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، في بيان صادر بتاريخ 20 مارس 2025، عن أسفها لـ«الغياب التام للتعاون من جانب الحكومة الفرنسية في مجال المساعدة القضائية المتبادلة، حيث اصطدمت الجزائر بشكل منهجي، ولا تزال تصطدم، بتسويف ومماطلة غير مبررة وغير مفهومة من الطرف الفرنسي».

كما ستضم البعثة الفرنسية أيضاً المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة، فانيسا بيري، وهو ما يندرج على الأرجح في سياق مواجهة تصاعد تهريب المخدرات وما يُعرف بـ«مافيا دي زاد»، وهي تسمية توحي بارتباط هذه الشبكات بوسط جزائري.

استئناف ترحيل المشمولين بقرارات مغادرة التراب الفرنسي(OQTF)

من جهته، رحب وزير الداخلية الفرنسي باستئناف إصدار تصاريح المرور القنصلية الضرورية لترحيل الأشخاص المشمولين بقرارات إلزام بمغادرة التراب الفرنسي (OQTF). وجاء هذا الانفراج في أعقاب زيارته إلى الجزائر العاصمة، حيث صرح قائلاً: «كنا قد وصلنا إلى 150 تصريحاً في بداية ماي، في حين لم يكن هناك أي تصريح قبل زيارتي إلى الجزائر في فيفري. وكان الوضع على هذا النحو منذ الربيع الماضي… هذا قليل، لكن العجلة دارت مجدداً وسيرتفع النسق تدريجياً». يُذكر أن إسبانيا تسجل بدورها استئنافاً لعمليات الترحيل التي كانت مجمدة خلال الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر ومدريد.

وأشار لوران نونيز إلى أن التعاون الأمني «يعود تدريجياً إلى مجراه. لدينا عمل يتعين علينا إعادة تفعيله بشأن تبادل المعلومات حول مهربي المخدرات، والتعاون يسير في كلا الاتجاهين». كما جدد الوزير رفضه لخيار «كسر العظم» أو مواجهة النظام الجزائري، وهو النهج الذي كان يدعو إليه سلفه برونو ريتايو، وصنع منه مادة للتسويق السياسي الشخصي دون تحقيق أي نجاعة تُذكر. وأكد لوران نونيز أنه في المجالين الأمني والهجرة، تجد فرنسا نفسها ملزمة بالحوار مع الجزائر: «إنها دولة كبرى تمتلك خبرة واضحة في مجال الاستخبارات والأمن، وإجراء التبادلات معها يعد أمراً ضرورياً». كما لفت إلى أن عدة ملايين من الأشخاص على ضفتي المتوسط معنيون مباشرة بالعلاقات الفرنسية الجزائرية ويعيشونها بشكل يومي. وتساءل نونيز: «ما جدوى ليّ الذراع في ظل هذه الظروف؟ إن أولئك الذين لا يسعون إلا لاستفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية».

الخروج من نفق «التوترات القصوى»

هل يمكن الحديث عن عودة كاملة للدفء إلى العلاقات؟ الحذر يظل سيد الموقف، لا سيما وأن فرنسا دخلت بالفعل أجواء الحملة الانتخابية الرئاسية، حيث يسعى بعض الفاعلين السياسيين إلىتحويل الملف الجزائري إلى ورقة انتخابية. ويرغب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إعادة إطلاق مسار التقارب قبل مغادرته قصر الإليزيه بعد عام من الآن. وسيكون عليه أن يحاول تحصين العلاقات الثنائية من المزايدات الانتخابية الفرنسية، وهي مهمة لا تبدو مضمونة النتائج. الانفراج لا يزال في بداياته، ولا يخلو من احتمال حدوث انتكاسة في أي لحظة. وفي هذا السياق، تبدو وزيرة الدولة الفرنسية المكلفة بقدامى المحاربين والذاكرة، أليس روفو، التي زارت سطيف في 8 ماي رفقة السفير ستيفان روماتيه، وكأنها تلخص بدقة الوضع الراهن للعلاقات في تصريح لصحيفة لا بروفانس (La Provence) قالت فيه: «لقد خرجنا من مرحلة التوترات القصوى مع الجزائر».

Partager cet article