مع اقتراب رئاسيات 2027، تحولت الجزائر إلى وقود للمزايدات السياسية في فرنسا، وسط استقطاب حاد يصنفها كـ عدو خارجي للدولة، بالتوازي مع شيطنة حركة فرنسا الأبية واعتبارها عدو داخلي، في استراتيجية انتخابية تعتمد على صناعة الخصوم لتشكيل الهوية الوطنية.
في وقت تحاول فيه باريس والجزائر إعادة تطبيع علاقاتهما الدبلوماسية تحت إشراف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، تفرض العلاقة الفرنسية الجزائرية نفسها بالفعل كأحد أوائل ميادين المزايدة السياسية في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2027. فحتى قبل الانطلاق الرسمي للمعركة الانتخابية، جعلت أحزاب اليمين واليمين المتطرف من الجزائر محورا مركزيا في تموقعها السياسي، فيما بدأت شخصيات أخرى تلتحق بدورها بهذا المسار. وهكذا، لا تبدو الجزائر كشريك دبلوماسي لفرنسا بقدر ما هي مرآة كاشفة للتوترات السياسية الفرنسية، والاستراتيجيات التي يعد لها مبكرا لخوض المعركة الرئاسية المقبلة.
في هذا السياق، تتعايش إشارات التهدئة الدبلوماسية مع إعادة توظيف فورية للملفات الثنائية عبر عدسة التنافس السياسي الفرنسي. فقد أكد لوران نونيز مؤخرا استئناف عمليات ترحيل الجزائريين المقيمين في وضع غير قانوني، في خطوة تعكس رغبة باريس في إعادة تفعيل قنوات التعاون الأمني والقنصلي بعد مرحلة من التوتر. وإذا كان هذا المسار يندرج ضمن إدارة تقنية براغماتية لملف الهجرة، فإنه يأتي في مناخ سياسي تتحول فيه كل خطوة دبلوماسية بسرعة إلى مادة للاستهلاك الانتخابي المبكر.
وبعيد عن الإدارة المؤسساتية للعلاقة بين البلدين، أصبحت الجزائر جزءا من دينامية سياسية فرنسية أوسع، تستخدم فيها كأداة للتمييز والتموقع السياسي. ووفق عدة قراءات وتحليلات، استعادت الجزائر مكانتها كمؤشر سياسي بنيوي مع اقتراب 2027، حيث تختزل في آن واحد نقاشات الهجرة والهوية الوطنية والسيادة والذاكرة الاستعمارية.
روتايو يسخن حملته على الجزائر
في هذا المشهد، يحتل برونو روتايو موقعا مركزيا. فقد ساهمت فترة توليه وزارة الداخلية في تحويل العلاقة مع الجزائر إلى ساحة مواجهة سياسية معلنة. ولم يعد الملف الجزائري مجرد قضية دبلوماسية، بل تحول إلى أداة للتموقع داخل اليمين الفرنسي، وكذلك في المواجهة مع السلطة التنفيذية. وتستخدم الصرامة تجاه الجزائر هنا كوسيلة لبناء هوية سياسية قائمة على السلطة وضبط الهجرة ومهاجمة ما يسميه اليمين الفرنسي بسياسات التوبة المرتبطة بالماضي الاستعماري. وضمن هذا المنطق، تتحول الجزائر إلى أداة لإبراز القطيعة السياسية مع الماكرونية وصناعة صورة الزعامة داخل اليمين.
التجمع الوطني والإرث البغيض للجزائر الفرنسية
أما حزب التجمع الوطني، فيتحرك ضمن سياق أعمق وأكثر التصاقا بالهوية التاريخية ليمين المتطرف الفرنسي. فالعلاقة مع الجزائر تتسم بإرث تاريخي مليء بالكراهية المرتبطة بالجزائر الفرنسية، وحرب الاستقلال، وإعادة تشكيل اليمين المتطرف الفرنسي. هذا الماضي لا يشكل مجرد خلفية رمزية، بل يواصل التأثير المباشر في خطاب الحزب، خاصة في الملفات المرتبطة بالهجرة والذاكرة الاستعمارية. كما أن هذه الاستمرارية التاريخية ذات النزعة الانتقامية تفسر مركزية الجزائر في خطاب التجمع الوطني، خصوصا فيما يتعلق بالدعوات إلى مراجعة اتفاقية 1968 وتكريس منطق دائم قائم على ميزان القوة مع الجزائر.
نقاش يغمر كامل المشهد السياسي
لكن هذه الظاهرة لا تقتصر على اليمين واليمين المتطرف فقط، بل بدأت تمتد تدريجيا إلى أجزاء أخرى من المشهد السياسي الفرنسي. فقد دعا إدوارد فيليب (يمين وسط) إلى إعادة النظر في بعض الأطر المنظمة للعلاقة الفرنسية الجزائرية، منسجما جزئيا مع دعوات إعادة صياغة العلاقة الثنائية.
وفي سياق آخر، عبر فرانسوا روفان، أحد الوجوه السابقة لحركة فرنسا الأبية، عن تحفظات بشأن الاستعانة بأطباء أجانب، بينهم جزائريون، مؤكدا ضرورة أن تقوم فرنسا بتكوين كوادرها الصحية بنفسها. ورغم أن هذا الطرح يأتي في إطار نقاش حول الخدمات العمومية، فإنه يعكس أيضا عودة الخطاب السيادي والوطني إلى قلب السياسات العامة، حيث تتقاطع قضايا السيادة الاجتماعية مع النقاشات المتعلقة بالهجرة.
فرنسا الأبية عدو داخلي والجزائر عدو خارجي
في هذه المرحلة، تبدو العلاقة الفرنسية الجزائرية أقل كملف دبلوماسي مستقر، وأكثر كفضاء للتنافس السياسي الداخلي. فالفاعلون السياسيون الفرنسيون لا يحددون مواقفهم تجاه الجزائر فحسب، بل يتموضعون أيضا في مواجهة بعضهم البعض ضمن منطق تنافس انتخابي مبكر. وفي هذا السياق، يتم تقديم فرنسا الأبية من طرف جزء من الإعلام الفرنسي، وخاصة وسائل الإعلام التابعة لفنسون بولوري، باعتبارها العدو الداخلي، بينما تقدم الجزائر باعتبارها العدو الخارجي.
وهكذا تتحول الجزائر إلى موضوع سياسي شامل، فهي في آن واحد أداة للتمييز السياسي، وخزانا رمزيا، وساحة تسقط عليها الانقسامات الفرنسية المعاصرة. في النهاية، لا يعبر هذا التحول عن طبيعة العلاقات الفرنسية الجزائرية بحد ذاتها بقدر ما يعبر عن الطريقة التي تتشكل بها السياسة الفرنسية مع اقتراب عام 2027، في سياق تتبلور فيه خطوط الحملة الانتخابية قبل وقت طويل من الانطلاق الرسمي للسباق الرئاسي.
