دونالد ترامب يستأنف حربه الجمركية : ماذا يعني ذلك بالنسبة للجزائر؟

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق هجومه التجاري بفرض رسوم جمركية جديدة على الواردات القادمة من ستين دولة. ورغم إدراج الجزائر ضمن البلدان الخاضعة لأعلى نسبة من هذه الرسوم، فإن تأثيرها المباشر على الاقتصاد الجزائري قد يكون أقل مما توحي به الأرقام، وإن كانت تداعياتها غير المباشرة تستحق المتابعة.

5 min de lecture
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - وضعت الولايات المتحدة الجزائر ضمن الدول الخاضعة لنسبة 12.5 بالمائة

بعد أشهر من إبطال المحكمة العليا الأمريكية جانباً مهماً من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته، وجدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطاراً قانونياً جديداً لمواصلة سياستها الحمائية. ففي 23 يوليو، أعلن الممثل التجاري الأمريكي (USTR)، جاميسون غرير، دخول رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10 و12.5 بالمائة حيز التنفيذ على الواردات القادمة من ستين اقتصاداً حول العالم.


وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تستند إلى نتائج تحقيق خلص إلى أن الدول المعنية لا تطبق، بالقدر الذي تراه الولايات المتحدة كافياً، إجراءات تمنع استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري. غير أن كثيراً من المراقبين يرون أنها تمثل، قبل كل شيء، وسيلة قانونية جديدة للإبقاء على السياسة الحمائية التي يتبناها ترامب، بعد أن فقدت جزءاً من سندها القانوني أمام القضاء الأمريكي.


إطار قانوني جديد لمواصلة السياسة الحمائية


لا تكمن أهمية القرار الجديد في نسبة الرسوم الجمركية بقدر ما تكمن في الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية. ففي فبراير الماضي، أبطلت المحكمة العليا الأمريكية جانباً كبيراً من الرسوم التي فرضها ترامب استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، معتبرة أن السلطة التنفيذية تجاوزت الصلاحيات التي منحها لها الكونغرس. ولم تتراجع الإدارة الأمريكية عن نهجها، بل انتقلت إلى المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 (Trade Act of 1974)، التي تمنح الممثل التجاري الأمريكي صلاحية اتخاذ إجراءات تجارية بعد إجراء تحقيقات إدارية.


وفي هذا الإطار، خلص الممثل التجاري الأمريكي (USTR)، عقب تحقيق يتعلق بالعمل القسري، إلى أن ستين اقتصاداً لا تطبق، وفق المعايير التي تعتمدها واشنطن، إجراءات كافية لمنع استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري. ويرى كثير من المراقبين أن هذا الإطار القانوني تحول عملياً إلى أداة تمكّن إدارة ترامب من مواصلة سياستها الحمائية بعد أن قيدت المحكمة العليا الأساس القانوني الذي كانت تستند إليه في السابق.


لماذا شملت الرسوم الجزائر؟


وضعت الولايات المتحدة الجزائر ضمن الدول الخاضعة لنسبة 12.5 بالمائة، وهي أعلى نسبة في النظام الجديد. وبحسب الممثل التجاري الأمريكي (USTR)، فإن هذا التصنيف يشمل الدول التي لا تستوفي، وفق التقييم الأمريكي، متطلبات مراقبة الواردات المرتبطة بالسلع المنتجة بالعمل القسري. غير أن هذا التقييم يعكس معايير الإدارة الأمريكية، ولا يمثل حكماً صادراً عن منظمة العمل الدولية (OIT)، التي صادقت الجزائر على اتفاقياتها الأساسية المتعلقة بحظر العمل القسري. ويتركز الخلاف أساساً حول آليات الرقابة على الواردات التي تشترطها واشنطن، وليس حول التزامات الجزائر الدولية في مجال حقوق العمل.


تأثير اقتصادي محدود… لكن ليس معدوماً


قد توحي نسبة 12.5 بالمائة بأن الصادرات الجزائرية إلى الولايات المتحدة ستتعرض لضربة قوية، غير أن هيكلة المبادلات التجارية بين البلدين تقدم صورة أكثر توازناً. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي (U.S. Census Bureau)، بلغت قيمة الواردات الأمريكية من الجزائر 2.461 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل صادرات أمريكية إلى الجزائر بقيمة 1.014 مليار دولار، ما أسفر عن عجز في الميزان التجاري الأمريكي بلغ 1.448 مليار دولار لصالح الجزائر.


غير أن طبيعة هذه المبادلات تحد بدرجة كبيرة من الأثر المباشر للرسوم الجديدة. تشكل المحروقات أكثر من 80 بالمائة من إجمالي الصادرات الجزائرية إلى الولايات المتحدة، بما يعادل نحو ملياري دولار من أصل ما يقارب 2.5 مليار دولار. وتخضع هذه المنتجات لاستثناءات أو لأنظمة جمركية خاصة ضمن النظام الأمريكي الجديد.

وبناءً على ذلك، فإن قيمة الصادرات الجزائرية التي قد تتأثر مباشرة بالرسوم الجديدة تقدر بنحو 500 مليون دولار فقط، وتشمل أساساً الأسمدة والمنتجات الكيميائية والإسمنت وبعض منتجات الحديد والصلب، وهي قطاعات تراهن عليها الجزائر لتعزيز صادراتها خارج المحروقات. وفي هذا السياق، تبدو الجزائر أقل تعرضاً لهذه الإجراءات مقارنة ببعض اقتصادات المنطقة التي تعتمد بشكل أكبر على تصدير المنتجات الصناعية المصنعة إلى السوق الأمريكية.


الخطر الحقيقي… سوق الطاقة العالمية


لكن التحدي الأكبر بالنسبة للاقتصاد الجزائري لا يكمن، على الأرجح، في الرسوم الجمركية نفسها. فالرسالة الأهم التي تحملها هذه الإجراءات هي أن السياسة التجارية أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية في الاستراتيجية الاقتصادية والجيوسياسية للولايات المتحدة. وبالنسبة للجزائر، فإن الخطر الحقيقي يتمثل في احتمال أن تؤدي الحرب التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى إلى تباطؤ النمو العالمي، وهو ما قد ينعكس على الطلب الدولي على الطاقة ويضغط على أسعار النفط والغاز.


وبما أن عائدات المحروقات لا تزال تشكل العمود الفقري للصادرات الجزائرية ومورداً أساسياً للمالية العمومية، فإن أي تراجع مستدام في أسعار الطاقة ستكون تداعياته على الاقتصاد الوطني أكبر بكثير من الأثر المباشر للرسوم الجمركية الأمريكية. تبدو الرسوم الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب أقل خطراً على الصادرات الجزائرية في حد ذاتها، لكنها تذكّر في المقابل بأن الاقتصاد الجزائري يظل شديد الارتباط بتقلبات التجارة العالمية وأسواق الطاقة، وهي عوامل قد تكون أكثر تأثيراً من أي رسم جمركي مباشر.

Partager cet article