سوق الملابس المستعملة في الجزائر: عندما تتحول «الفريب» إلى سوق قائم بذاته

لطالما ارتبطت تجارة الملابس المستعملة - «الفريب» (friperie) - في الجزائر بالأسواق الشعبية والملابس المستوردة في شكل بالات، غير أن هذا النشاط بدأ يغيّر وجهه. فقد أخذ ينتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات البيع بين الأفراد، إلى جانب ظهور متاجر متخصصة. وبين البحث عن الأسعار المنخفضة، والرغبة في تغيير أنماط الاستهلاك، وغياب إطار واضح لاستيراد الملابس المستعملة، يتحول سوق المستعمل إلى مرآة تعكس القدرة الشرائية للأسر.

سعيد مراد
10 min de lecture
في متجر للتوفير في الجزائر، الملابس المستعملة مكدسة على الطاولات، وهو قطاع غير رسمي يزدهر في مواجهة ارتفاع أسعار الملابس الجديدة.

بالنسبة إلى بعض المستهلكين، يمثل شراء الملابس المستعملة قبل كل شيء ضرورة تفرضها القدرة الشرائية. أما بالنسبة إلى آخرين، فقد أصبح وسيلة للعثور على قطع من علامات معروفة بأسعار أقل، أو لتجديد خزانة الملابس من دون تحمل كلفة شراء الجديد. في الجزائر العاصمة، تتراوح أسعار الملابس المستعملة، بحسب الفئة والعلامة والمقاس وحالة القطعة، بين نحو 300 و 4500 دينار. ويمكن أن تتجاوز أسعار قطع من علامات مثل «نايك» و«زارا» و«ليفيس» 2000 دينار.
من السوق الشعبي إلى التجارة الإلكترونية
لم تعد تجارة الفريب في الجزائر تقتصر على طاولات الأسواق الشعبية والمتاجر المتخصصة. فقد أصبحت نسبة متزايدة من عمليات البيع والشراء تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومجموعات البيع والمنصات الرقمية. وتتيح مواقع مثل (قشنا) «9achna» شراء وبيع الملابس المستعملة بين الأفراد في عدد من الولايات، بأسعار تبدأ من نحو 300 دينار، مع توفير خدمة التوصيل. كما تعرض منصة (دير سوق) «Dirsouk» ملابس وأحذية وإكسسوارات مستعملة، مع إعلانها عن خدمة التوصيل إلى عدة ولايات.
ويغير هذا التطور طبيعة السوق. فلم يعد البائع بحاجة بالضرورة إلى محل تجاري. إذ يكفيه تصوير القطع، ونشر المقاسات والأسعار، والتواصل مع الزبائن، ثم تنظيم التوصيل أو التسليم باليد. وهكذا تتحول تجارة الملابس المستعملة إلى نشاط ذي كلفة دخول منخفضة. ويمكن لفرد أن يبدأ ببيع الملابس الموجودة في خزانته، في حين يستطيع البائع المحترف تكوين مخزون من موردين أو أسواق متخصصة أو حتى من أفراد.
ماذا يحدث للسوق التقليدية؟
لا يعني صعود المنصات الرقمية اختفاء سوق الفريب التقليدية. فما تزال طاولات الأسواق الشعبية والمتاجر المتخصصة تستقطب زبائن يبحثون عن أسعار منخفضة، وملابس متاحة فورا، وإمكانية معاينة القطعة قبل شرائها. لكن دور هذه السوق بدأ يتغير. فلم يعد السوق التقليدي المكان الوحيد لاكتشاف الملابس وبيعها، بل أصبح أحيانا مصدرا لتزويد البائعين عبر الإنترنت، الذين ينتقون القطع الأكثر جاذبية قبل عرضها على «إنستغرام» أو «فيسبوك» أو المنصات المتخصصة. وهكذا تنتقل تجارة الفريب من السوق إلى المتجر، ومن المتجر إلى الهاتف. ويخلق هذا التحول منافسة جديدة أمام البائعين التقليديين، الذين أصبحوا يواجهون بائعين لا يتحملون كلفة إيجار محل، ويمكنهم الوصول إلى زبائن في عدة ولايات، كما يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي لإبراز الملابس من خلال التصوير وطريقة عرضها. ومع ذلك، تحتفظ التجارة التقليدية ببعض مزاياها. فالزبون يستطيع لمس القماش، والتأكد من المقاس، والتفاوض على السعر، ثم مغادرة السوق بالقطعة التي اشتراها في الحال. وفي سوق تظل فيه الثقة عاملا أساسيا، تواصل هذه العلاقة المباشرة أداء دور مهم.
لذلك، لا تختفي سوق الفريب التقليدية، وإنما تتحول تدريجيا بين استمرار البيع المحلي، ومنافسة التجارة الرقمية، وظهور وسطاء جدد. ويعتمد مستقبلها على قدرتها على تحسين عرض المنتجات، وتوفير قدر أكبر من الشفافية، والتكيف مع السلوكيات الجديدة للمستهلكين.
من يشتري الملابس المستعملة؟
لا يشكل مستهلكو الملابس المستعملة فئة متجانسة. فبعضهم يبحث قبل كل شيء عن أسعار في متناوله، بينما يركز آخرون على العلامات التجارية، أو الملابس ذات الطابع القديم «فِينْتَاج»، أو القطع التي يصعب العثور عليها ضمن المجموعات الحالية. وبالنسبة إلى العائلات، تكتسي الملابس المستعملة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بملابس الأطفال، التي يتم الاستغناء عنها بسرعة مع نموهم. كما تجد المعاطف والأحذية والملابس الرياضية وملابس المناسبات زبائن لها في هذا السوق. أما لدى الشباب، فيرتبط هذا السوق أكثر بالبحث عن قطع مميزة واقتناص الصفقات الجيدة. ويمكن للملابس ذات العلامات المعروفة أو المجموعات القديمة أن تباع بأسعار أعلى من الملابس العادية، لكنها تظل في كثير من الأحيان أقل كلفة من المنتجات الجديدة.
وتقول جيهان، البالغة من العمر 23 عاما، وهي حديثة التخرج وتعمل في أول وظيفة لها كمندوبة مبيعات لدى شركة لتجهيزات المختبرات: «الميزة الأساسية هي العثور على ملابس بحالة جيدة وبسعر أستطيع دفعه. وبالنسبة إلى بعض العلامات التجارية، يكون الفارق مع السعر الجديد كبيرا».
سوق يقوم على الثقة
يعتمد شراء الملابس المستعملة بدرجة كبيرة على الثقة. فالزبون لا يستطيع دائما التحقق من جودة المنتج قبل استلامه، ولا سيما عندما تتم الصفقة عن بعد. وتتعلق أبرز المخاوف بمدى مطابقة المقاس، والحالة الحقيقية للقطعة، ووجود بقع أو عيوب، وأصالة العلامات التجارية، والنظافة وظروف التخزين، فضلا عن إمكانية إرجاع المنتج أو استبداله.
لذلك، يتعين على البائعين الراغبين في بناء قاعدة زبائن دائمة نشر صور دقيقة، وتحديد المقاسات، والإشارة بوضوح إلى العيوب، وتقديم وصف صادق للقطعة. وتصبح سمعة البائع بمثابة نوع من الضمان. كما تؤدي التعليقات والتقييمات والتوصيات دورا مهما في قرار الشراء.
الوضع المعقد للفريب المستورد
تتعلق إحدى أبرز نقاط هشاشة هذا السوق بمسألة التموين. فاستيراد الملابس المستعملة لأغراض تجارية يخضع لقيود، وتندرج الملابس المستعملة ضمن السلع الممنوعة من الاستيراد. كما أدرجت وزارة اقتصاد المعرفة الملابس المستعملة ضمن قائمة المنتجات المستثناة من نظام الاستيراد المصغر. وتخلق هذه الوضعية تمييزا بين عدة أنشطة. فبيع الملابس الشخصية بين الأفراد لا يندرج بالضرورة ضمن الاستيراد التجاري للفريب. كما أن بيع الملابس الشخصية المستعملة، أو إعادة بيع قطع موجودة أصلا في السوق، يخضع لمنطق مختلف. في المقابل، فإن استيراد الملابس المستعملة بكميات كبيرة، ولا سيما في شكل بالات، قد يعرض المتعاملين لمخاطر جمركية وإدارية. ولذلك يتعين على التجار التحقق بدقة من الوضع القانوني للسلع والتراخيص المطلوبة.
اقتصاد يصعب قياسه
يبقى سوق الفريب مجزأ إلى حد كبير. فهو يضم باعة غير رسميين، ومتاجر متخصصة، وبائعين ينشطون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات للبيع بين الأفراد، وتجارا يعملون في الأسواق الشعبية. ويجعل هذا التشتت من الصعب تقييم رقم أعمال القطاع، وعدد الوظائف التي يوفرها، والحجم الحقيقي للملابس التي يجري تداولها. ولا يعني غياب البيانات الإحصائية أن السوق هامشي. فالمنصات الرقمية، وتزايد الحسابات المتخصصة، والأسعار المعروضة، كلها مؤشرات على وجود طلب كاف لدعم أنشطة تجارية جديدة.
وبالنسبة إلى الشباب الذين يعيدون بيع الملابس، يمكن أن تتحول الفريب إلى مصدر دخل إضافي. إذ يشتري بعضهم كميات بأسعار منخفضة، ثم ينتقون القطع الأكثر جاذبية، وينظفونها ويصورونها قبل إعادة بيعها بهامش ربح. ويقول عماد، البالغ من العمر 28 عاما، وهو بائع للملابس المستعملة في الجزائر العاصمة: «أبدأ بمخزون صغير وأبيع أساسا عبر إنستغرام. والأهم هو العثور على قطع جيدة وتقديمها بالشكل المناسب».
استجابة لتراجع القدرة الشرائية
ينبغي وضع نمو سوق المستعمل في سياق استهلاك الأسر. فعندما ترتفع أسعار الملابس الجاهزة الجديدة، يبحث المستهلكون عن بدائل. وتتيح الملابس المستعملة تأجيل شراء المنتجات الجديدة أو خفض الميزانية المخصصة للملابس. وتصبح أكثر جاذبية خصوصا بالنسبة إلى القطع المرتفعة الثمن، مثل المعاطف والسترات والأحذية الرياضية والملابس ذات العلامات التجارية. لكن الأسعار ليست منخفضة تلقائيا. فقد تباع قطعة نادرة، أو بحالة ممتازة، أو تحمل علامة تجارية مطلوبة، بسعر مرتفع. وبالتالي، لا يعني اللباس المستعمل بالضرورة سعرا منخفضا، بل يقوم على سلم للقيمة تحدده حالة القطعة، والعلامة التجارية، وندرتها، وحجم الطلب عليها.
إمكانات للاقتصاد الدائري
يمكن أيضا النظر إلى سوق المستعمل من زاوية الاقتصاد الدائري. فإعادة بيع الملابس تطيل مدة استخدامها وتقلل كمية المنتجات التي ينتهي بها الأمر إلى النفايات. غير أن هذا الإمكان يظل محدودا بسبب غياب منظومة منظمة لجمع الملابس وفرزها وإصلاحها وإعادة تدويرها. وينتهي جزء من الملابس غير المباعة أو شديدة التلف إلى التخلص منه، في حين لا تتوفر للمستهلكين سوى خيارات محدودة لإعادة إدخال ملابسهم في دورة الاستخدام بطريقة منظمة. ومن شأن تطوير متاجر متخصصة ومنصات آمنة ونقاط لجمع الملابس أن يخلق مهن جديدة في مجالات الفرز والإصلاح والتعديل والتصوير التجاري والتوصيل.
نحو احترافية أكبر للسوق
قد تتمثل الخطوة المقبلة في إضفاء طابع أكثر تنظيما على القطاع تدريجيا. فالمنصات الرقمية توفر بالفعل نوعا أوليا من التنظيم، لكنها لا تحل محل إطار مهني يضمن الجودة وقابلية التتبع وحماية المستهلك. وتتطلب مهنية هذا السوق وجود باعة محددين بوضوح، وشروط نظافة واضحة، ومعلومات دقيقة عن حالة القطع، وقواعد للإرجاع أو الاستبدال، وآليات لمكافحة السلع المقلدة، وتمييزا واضحا بين إعادة البيع المحلية والاستيراد التجاري، إلى جانب إطار جبائي يتلاءم مع الأنشطة الصغيرة في مجال بيع الملابس المستعملة. ويتمثل التحدي في إيجاد توازن بين حماية المستهلك، ومكافحة النشاط غير الرسمي، وإتاحة المجال أمام الشباب لتطوير نشاط اقتصادي لا يتطلب رأس مال كبيرا.
سوق بين الحاجة والفرصة
يقع سوق الفريب في الجزائر عند تقاطع عدة اتجاهات. فهو يستجيب لضغوط القدرة الشرائية، لكنه يستفيد في الوقت نفسه من انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، والبحث عن الملابس ذات العلامات التجارية، والاهتمام المتزايد بأنماط الاستهلاك الأكثر مسؤولية. وسيعتمد مستقبل هذا السوق على قدرة الفاعلين فيه على تجاوز النموذج غير الرسمي وبناء عرض أكثر موثوقية. فالمستهلكون يريدون أسعارا أقل، لكنهم يريدون أيضا الجودة والشفافية والضمانات.
وهكذا لم تعد الفريب في الجزائر مجرد تجارة للملابس المستعملة. إنها تتحول إلى سوق متكاملة لإعادة البيع، تعكس خيارات الأسر تحت ضغط القدرة الشرائية، وتشكل في الوقت نفسه مختبرا لنمط جديد من الاقتصاد القائم على إعادة تداول السلع.

Partager cet article