الفلاحة الجزائرية في تقرير رسمي أمريكي : نمو في الحبوب والصويا، وتحديات بنيوية لم تُحل بعد

إبراهيم غانم
5 min de lecture
الجزائر تنتج 80% من حاجاتها السنوية من القمح الصلب، بحسب وزارة الفلاحة والتنمية الريفية.

نشرت وزارة الزراعة الأمريكية مؤخرا تقريرها الدوري حول واقع القطاع الفلاحي في الجزائر، اعتمادا على معطيات الاستشعار عن بعد ومصادر مفتوحة مستقاة من بيانات محلية منشورة. ويرسم التقرير صورة مزدوجة للقطاع، تحسّن ملموس في إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية، مقابل استمرار اختلالات هيكلية تحدّ من الاستغلال الأمثل للإمكانات الفلاحية للبلاد.

الحبوب: نمو بالأرقام دون بلوغ الهدف الرسمي

قدّرت الوكالة الأمريكية إنتاج الجزائر من الحبوب لموسم 2026 بنحو 4.65 مليون طن، موزعة بين 3.2 مليون طن من القمح بشقيه اللين والصلب (بارتفاع نسبته 7 بالمئة)، و1.35 مليون طن من الشعير (بزيادة 13 بالمئة) مقارنة بالموسم السابق.

غير أن هذا الرقم يبقى دون التقديرات الرسمية الجزائرية التي تراهن على محصول قياسي يبلغ 5 ملايين طن هذا الموسم، وهو فارق يستدعي الحذر عند مقارنة المصدرين، نظرا لاختلاف منهجيات القياس بينهما.

من حيث المساحات المزروعة، رصد التقرير 1.8 مليون هكتار مخصصة للقمح، ومليون هكتار للشعير، مقابل 80 ألف هكتار فقط للشوفان، و2000 هكتار للذرة، وهي مساحات تبقى محدودة جدا قياسا بإجمالي الأراضي الفلاحية الكبرى في البلاد، والمقدرة بنحو 7 ملايين هكتار.

معضلة الأراضي البور لا تزال قائمة

يلفت التقرير الانتباه إلى إشكالية بنيوية لم تجد بعد حلا جذريا، إذ إن قرابة 50 بالمئة من الأراضي الفلاحية لا تُستغل سوى سنة من أصل سنتين، في إطار نظام الدورة الزراعية التقليدي المعتمد على الأراضي البور (أراضٍ فلاحية صالحة للزراعة لكنها تُترك دون استغلال). وتشير المعطيات إلى أن جزءا من هذه الأراضي بدأ يُستثمر تدريجيا في زراعة البقوليات الجافة، خاصة العدس والحمص، ضمن برنامج الإنعاش الفلاحي الذي أقره مجلس الوزراء سنة 2023، دون أن يرقى ذلك بعد إلى مستوى معالجة شاملة للظاهرة.

كما يُخصَّص ما يقارب ثلث المساحات المزروعة بالشعير سنويا لتغذية الثروة الحيوانية، وعلى رأسها الأغنام، وهو ما يعكس استمرار التداخل بين الإنتاج الحبي والمدخلات العلفية في البنية الفلاحية الوطنية.

الذرة: فجوة بين الإنتاج المحلي المحدود وفاتورة استيراد ثقيلة

تبقى زراعة الذرة الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، إذ لا تتجاوز مساحتها 2000 هكتار، نظرا لارتباط دورتها الزراعية بفصلي الربيع والصيف، ما يستلزم اعتمادا شبه كلي على الري. ويُوجَّه الجزء الأكبر من هذا الإنتاج المحدود لصناعة الأعلاف، فيما يبقى إنتاج ذرة الحبوب (الموجه أساسا للتغذية الحيوانية جنوبا) هامشيا أمام الطلب المحلي المتنامي، خاصة في قطاع تربية الدواجن.

وتترجم هذه الفجوة في فاتورة استيراد ثقيلة. ففي أكتوبر 2024، كانت تقديرات الوكالة الأمريكية تشير إلى استيراد الجزائر لنحو 50 مليون قنطار من الذرة، بما يعادل قرابة 900 مليون دولار، وهو ما يضع البلاد ضمن قائمة أكبر 20 دولة مستوردة للذرة عالميا. وقد تكرر هذا الاعتماد على الاستيراد مجددا نهاية ديسمبر 2025، حين استوردت الجزائر 11.5 مليون قنطار إضافي في إطار برنامج تكميلي، استجابة لارتفاع الطلب الداخلي.

الصويا: تحول لافت مدفوع بتوسع وحدات التكرير

في المقابل، يسجل التقرير تطورا اقتصاديا أكثر إيجابية في سلسلة الصويا، وتحديدا في إنتاج كسب فول الصويا (Tourteaux de soja)، المستخدم أساسا في التغذية الحيوانية محليا، وفي الغذاء البشري بصيغته النسيجية بالأسواق الخارجية.

فبعد أن كان الإنتاج لا يتجاوز 758.6 ألف طن كمعدل خلال العشرية 2016-2025، قفز إلى 1.29 مليون طن سنة 2024، ثم إلى 1.74 مليون طن سنة 2025. ويعزو التقرير هذا التطور مباشرة إلى دخول عدة وحدات صناعية لتكرير حبوب الصويا حيز الإنتاج على المستوى الوطني في السنوات الأخيرة.

وينسحب هذا المسار التصاعدي أيضا على إنتاج زيت الصويا، الذي ارتفع من 297 ألف طن سنة 2024 إلى ما يفوق 400 ألف طن سنة 2025، في مؤشر على بداية تشكّل صناعة تحويلية محلية حول هذه المادة الأولية المستوردة أساسا.

زيت الزيتون واللحوم الحمراء: مؤشرات متفاوتة

سجل التقرير كذلك إنتاجا من زيت الزيتون بلغ 76 ألف طن سنة 2025، وهو مستوى يرتبط، بحسب المصدر، بتوسع المساحات المزروعة في المناطق السهبية، إلى جانب برامج تقنية مشتركة بين المعهد الوطني للبحث الزراعي الجزائري والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

أما في شق الإنتاج الحيواني، فقد رصد التقرير إنتاجا من لحوم البقر بلغ 140 ألف طن سنة 2025، مقابل 135 ألف طن سنة 2024، لكنه يبقى دون المعدل العشري الذي يتجاوز 147 ألف طن. ويُرجَّح أن يكون توقف استيراد العجول الصغيرة (broutards) من فرنسا، على خلفية الأوبئة الحيوانية التي شهدتها القطعان الفرنسية، عاملا مؤثرا في هذا التراجع النسبي.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article