يأتي هذا التطور في إطار مراجعة تطبيق اللائحة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي نهاية سنة 2024، والتي تهدف إلى خفض انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بواردات المحروقات، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية التي يفوق تأثيرها في الاحتباس الحراري بكثير تأثير ثاني أكسيد الكربون. ويفرض النص على المنتجين خارج الاتحاد الأوروبي منظومة شاملة لقياس الانبعاثات والإبلاغ عنها والتحقق منها، مع إخضاع البيانات لتدقيق جهات مستقلة. كما ينص على عمليات دورية لكشف التسربات وإصلاحها في مختلف منشآت الإنتاج والنقل، بما في ذلك الآبار ومحطات الضغط وشبكات الأنابيب، إضافة إلى إدراج عمليات حرق الغاز وإطلاقه مباشرة في الغلاف الجوي ضمن نطاق التنظيم.
ويُطبَّق هذا الإطار بشكل تدريجي. فمنذ سنة 2025، بات يتعين على المشغلين الإبلاغ عن كميات الغاز المحروق أو المنبعث. وابتداءً من سنة 2027، يُطلب من المنتجين خارج الاتحاد الأوروبي إثبات أن أنظمة المراقبة لديهم تعادل المعايير الأوروبية. أما في أفق 2030، فيُنتظر فرض سقف لكثافة انبعاثات الميثان على واردات الطاقة، مع إمكانية فرض عقوبات مالية.
مقاربة أوروبية تدريجية منذ البداية
في الواقع، كانت هذه المقاربة التنظيمية قد عُرضت منذ البداية على أنها تدريجية من قبل المسؤولين الأوروبيين. وفي تصريحات لمغرب إيميرجنت، أشار سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر، دييغو ميّادو، إلى أن بروكسل لم تكن تنوي منذ البداية تطبيقاً صارماً أو مفاجئاً لهذا الإطار التنظيمي تجاه الجزائر، بل فضّلت نهجاً يقوم على المواكبة التقنية والانتقال التدريجي نحو الامتثال. ويستند هذا التوجه إلى الدور الذي تلعبه الجزائر في تزويد السوق الأوروبية بالغاز، إضافة إلى العلاقات الطاقوية القائمة بين ضفتي البحر المتوسط. بالنسبة لسوناطراك، يمثل هذا المسار التنظيمي تحدياً تشغيلياً مهماً، بالنظر إلى شبكة البنى التحتية الواسعة التي تديرها، من حقول حاسي الرمل وحاسي مسعود إلى آلاف الكيلومترات من خطوط نقل الغاز. وقد باشرت الشركة خلال السنوات الأخيرة برامج لتعزيز مراقبة التسربات، عبر استخدام الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء وأنظمة الكشف المبكر، إلى جانب تقليص عمليات حرق الغاز.
إعادة تشكيل سوق الطاقة
ويأتي احتمال تخفيف القواعد الأوروبية في سياق إعادة تشكيل موازين سوق الطاقة منذ عام 2022، بعد تراجع واردات الغاز الروسي، ما عزز دور موردين بديلين في مقدمتهم الولايات المتحدة والجزائر. وقد عززت الجزائر موقعها في السوق المتوسطية، خصوصاً عبر الإمدادات نحو إيطاليا وإسبانيا من خلال خطي ميدغاز وترانسميد، إضافة إلى صادرات الغاز الطبيعي المسال. تواجه المفوضية الأوروبية معادلة تقوم على الموازنة بين أهدافها المناخية وأمن إمداداتها من الطاقة، في وقت يشهد تقلبات في الأسواق العالمية وتزايداً في حالة عدم اليقين الجيوسياسي. ويعكس سيناريو تعليق العقوبات مؤقتاً هذا التوازن الدقيق بين هذه الاعتبارات المتباينة.
وفي السياق نفسه، واجه هذا الملف انتقادات متكررة من جانب صناعة الغاز ومسؤولين أمريكيين، الذين أعربوا عن مخاوفهم من تأثيراته على تنافسية الصادرات نحو السوق الأوروبية. كما أبدت واشنطن تحفظات بشأن تعقيد هذا الإطار التنظيمي وانعكاساته المحتملة على تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن التعديل المطروح لا يمسّ جوهر اللائحة الأوروبية، بل يقتصر على تعديل الجدول الزمني وآليات تطبيق العقوبات، دون المساس بالالتزامات المتعلقة بالشفافية والإبلاغ. أما الهدف البعيد المدى في عام 2030، فلا يزال قائماً، حيث يعتزم الاتحاد الأوروبي فرض سقف لكثافة انبعاثات الميثان على واردات الطاقة، وهو ما سيشكل التحدي التنظيمي الرئيسي أمام المنتجين خارج أوروبا. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى هذه المهلة المحتملة كفترة انتقالية تسمح للفاعلين في القطاع بالتكيف التدريجي مع متطلبات السوق الأوروبية الجديدة.


