رفضت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ملفات عدد كبير من مرشحي حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في ولايات عدة، من بينها مستغانم والشلف وغليزان، بلغت نحو 35 ملفاً ، وهي ولايات دأب الحزب تاريخيًا على اعتبارها من مناطق نفوذه. وفي مستغانم وحدها، شمل قرار الإقصاء كلًّا من رئيس المجلس الشعبي الولائي عباسة إدريس، ورئيس المكتب الولائي عفيف سنونسي، فضلًا عن نائب سابق في مجلس الأمة، ومترشحين آخرين، في ما ترتبط الأسباب المُعلنة بشبهات تمس بعض الملفات المقدّمة.
وتفيد مصادر داخلية بتحرك عاجل لتفعيل قوائم تعويضية لضمان استمرار الحزب في المنافسة بالولايات المتضررة، وسط تساؤلات حول فاعلية آليات الغربلة الداخلية قبل إيداع الملفات رسميًا.
قيادات متعاقبة وعلاقة خاصة بالسُلطة
بعد أن قاد الطيب زيتوني الحزب قبل أن يُعيَّن وزيرًا للتجارة في تعديل حكومي، خلفه مصطفى ياحي أمينًا عامًا، وهو الذي حظي بعدة لقاءات مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ناقش خلالها ملفات بارزة من بينها مشاريع قانون الأحزاب والانتخابات والمجالس المحلية.
وفي مؤتمره السابع المنعقد في جويلية 2025، انتخب الحزب بالإجماع منذر بودن أمينًا عامًا له. وبودن حاصل على شهادة الدكتوراه في الصيدلة، وقد شغل منصب نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، وكان أيضًا رئيسًا للاتحاد العام للطلبة الجزائريين في مرحلة سابقة. وقد فُسِّر تتابع هذه التعيينات، من أمناء عامين يُستقبلون في الرئاسة إلى وزراء يُعيَّنون من بين الكوادر التاريخية للحزب، باعتباره دليلًا على علاقة تنسيق وثيقة تجعل من الأرندي طرفًا من أطراف الأغلبية الرئاسية بامتياز.
تسجيل مسرّب يفجر أزمة قسنطينة
في خضم الاستعداد للانتخابات، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلًا صوتيًا مسرَّبًا يُنسب إلى مسؤولَين محليَّين بقسنطينة، ويتضمن حديثًا عن ترتيبات القوائم الانتخابية وتوزيع المراتب قبل الإعلان الرسمي. وأصدرت مصالح الولاية بيانًا توضيحيًا قطعت فيه أي صلة للوالي أو الإدارة المحلية بمضمون المحادثة، مؤكدةً أن رئيس المجلس الشعبي الولائي قدّم اعتذارًا رسميًا.
وفي مقابل ذلك، خرج الأمين العام منذر بودن خلال تجمع شعبي بولاية سطيف ليؤكد أن التسجيل “مبتور ونتيجة استدراج واضح”، مُقرًّا في الوقت ذاته بوجود “كلام غير مسؤول” فيه. وبينما أعلن عزمه الحفاظ على كوادر الحزب ما لم يثبت تورطهم في مخالفة القانون، لم يُعلَن عن أي قرار نهائي في حق الأمين الولائي لقسنطينة الذي طلب الإعفاء من منصبه.
خطاب التجديد أمام امتحان الميدان
منذ توليه القيادة، انتهج بودن أسلوبًا إعلاميًا لافتًا، إذ نشّط تجمعات شعبية في 49 ولاية خلال مدة قياسية وفق ما أعلنه بنفسه، مُقدِّمًا حزبه بوصفه قوة سياسية تجديدية تنفتح على الطاقات الشابة وتتجاوز النمطية التقليدية. كما أعلن إيداع قوائم الحزب في 69 دائرة انتخابية في مؤشر على طموح المشاركة الواسعة.
غير أن المتابعين للشأن السياسي يلاحظون أن الأحداث الأخيرة، من الإقصاءات المتكررة إلى التسجيلات المسرّبة، تختبر جدية هذا الخطاب التجديدي، وتكشف بصورة أعمق عن إشكالية هيكلية تتعلق بمدى فاعلية منظومة الاختيار والرقابة الداخلية في الأحزاب الكبرى قبيل كل موعد انتخابي، لا سيما أن الظاهرة لا تقتصر على مستغانم أو قسنطينة بل تمتد إلى ولايات أخرى.
وإن كانت أرقام مشاركة الحزب في 69 دائرة تُنبئ بطموح انتخابي واسع، فإن الفجوة بين الخطاب المُعلن وما تكشفه الوقائع الميدانية ستظل القضية المحورية التي يتابعها المراقبون في الأسابيع المتبقية قبل الثالث من جويلية.


