ما الذي يرويه “كراكاج” المولودية عن الجزائر للعالم؟

قد يكون هذا الحدث وراء أكبر «بَزّ» عالمي صنعته الجزائر. مئات الملايين من المشاهدات والانطباعات على شبكات التواصل الاجتماعي، وتغطيات إعلامية في وسائل الإعلام عبر القارات الخمس، ونقاشات دارت في مختلف أنحاء العالم. لقد أذهل "الكراكاج" الذي نظمه أنصار مولودية الجزائر مساء الخميس الماضي احتفالاً بالتتويج العاشر للنادي بلقب البطولة الجزائرية، الكوكب بأسره.

7 min de lecture


وكما أن العظمة تحتاج دائماً إلى مكان يحتضنها، فقد قدّمت باب الوادي، تلك النسخة الصغيرة المختبئة من خليج الجزائر، مشهداً ليلياً أخّاذاً بدا وكأنه تحليقٌ ساحر فوق المدينة الحمراء. وما إن انقشعت تلك السحابة المضيئة التي زيّنت سماء الجزائر حتى بدأت السجالات، بعضها غير ذي صلة، وبعضها الآخر مرهق بالفعل.
من ذلك الجدل الذي غذّاه اليمين المتطرف الفرنسي متسائلاً: «لماذا يكون الجزائريون مثيري شغب أثناء الاحتفالات في باريس، ولا يكونون كذلك في الجزائر؟». وجاء الرد: «ينبغي للشرطة الفرنسية أن ترسل عناصرها إلى الجزائر للتدرّب على كيفية فرض الاحترام». ولا يستحق ذلك أي تعليق. لكن، وعلى عكس ما بدا عليه الأمر، فإن هذا السحر الليلي الذي شهدته الجزائر لم يهبط من السماء. لقد صنعه مواطنون بأيديهم، وهم يروون من خلاله الكثير عن الجزائر، لحكامها وللعالم بأسره.


عندما يستطيع الشعب أن ينظم نفسه…


أولى الدروس التي يقدمها هذا “الكراكاج” الضخم هي قدرة المبادرة الشعبية على التنظيم الذاتي والصمود. فقد ذهب بعض المعلقين المنفصلين عن الواقع إلى إرجاع هذا المشهد المذهل في باب الوادي إلى شركة سوناطراك، المالكة منذ خمسة عشر عاماً لما يقارب مائة بالمائة من أسهم فرع كرة القدم في مولودية الجزائر. وهذا يدل على جهلٍ بعالم الألتراس في الجزائر وبما يفعله الأنصار من أجل أنديتهم.

استعانت زميلتي ليندة عبو بأدوات ذكاء اصطناعي متخصصة لتقدير حجم العرض الذي شهدته ليلة الخميس. والنتيجة كانت نحو خمسة آلاف إطلاق للألعاب النارية والشماريخ (فوميجان)، بين إشارات ضوئية في السماء وقنابل دخانية على الأرض. وبحسب الحسابات المستندة إلى أسعار التجزئة وأسعار الجملة التي يحصل عليها الألتراس، فإن الكلفة الإجمالية بلغت نحو 22 مليون دينار، أي ما يعادل حوالي 80 ألف يورو بسعر السوق الموازية للعملة، أو 146 ألف يورو بالسعر الرسمي. وهو مبلغ لا يتجاوز فعلياً إمكانيات القاعدة الجماهيرية الهائلة لعميد الأندية الجزائرية. فإذا افترضنا، بتحفظ، مشاركة سبعة آلاف أسرة مختلفة في الاحتفال باللقب العاشر، فإن ذلك لا يمثل سوى مساهمة تقارب ثلاثة آلاف دينار لكل أسرة. لا حاجة إذن إلى المال العام، ولا حتى إلى ممولين خفيين. فالسؤال الحقيقي يتعلق بالتنظيم الذاتي.

في الأحياء الشعبية، وداخل مجموعات الألتراس، يعرف الناس بعضهم بعضاً. يكتبون الأغاني ويرددونها معاً، ويسهرون الليالي لإعداد “تيفو” عملاق، ويجمعون الأموال لاقتناء الشماريخ (فوميجان) بأسعار الجملة، ويوزعون المهام، وينسقون اللوجستيات وتوقيت التنفيذ، ويحافظون على السرية، ويتواصلون في الوقت المناسب فقط. وهنا يكمن الدرس الأكبر: عندما يتمكن الجزائريون من التنظيم بحرية كاملة، فإنهم قادرون على صنع المعجزات… وإبهار العالم.


أجمل إعلان ترويجي


أما الدرس الثاني فهو أن محاولة الدولة السيطرة والتحكم في كل ما يجري داخل المجتمع غالباً ما تكون لها نتيجة عكسية. فـ”الكراكاج” المولودي هو، من الناحية القانونية، تجميع رائع للمخالفات: مواد نارية محظورة، مخاطر اندلاع حرائق، تجمعات في الفضاء العام، وضوضاء ليلية. وهذه أمور لا ينبغي الاستهانة بها، لأن مخاطر السلامة العامة موجودة بالفعل. لكن الأجهزة الأمنية أبدت قدراً من المرونة. الاحتفال فن شعبي قبل كل شيء. كما حدث قبل أسبوعين خلال تصوير الكليب الترويجي لـ”دي جي سنايك” في ساحة البريد المركزي بالجزائر العاصمة، والذي تحول إلى حفل جماهيري عفوي، فإن احتفالات المئوية الخاصة بمولودية الجزائر في أوت 2021 كانت قد شهدت “كراكاجاً” مذهلاً مرّ بدوره من دون حوادث تُذكر، ولم يكن ذلك الحدث الوحيد من نوعه.

لذلك، فإن المطلوب ليس المنع، بل فقط إعادة ضبط المكابح التي تعيق حركة البلاد، وتخفيفها قليلاً في كل المجالات التي يمكن للمبادرة المواطنة المستقلة أن تدفعها إلى الأمام، سواء عبر ابتكار لوحة فنية تلفت أنظار العالم، أو من خلال تقديم إجابات جديدة على أزمة الأفكار التي يعاني منها من يحكمون البلاد. إن الظهور العالمي المفاجئ لـ”باب الوادي الحمراء” يمثل نموذجاً مذهلاً لذلك. ففي سيناريو يكاد يكون خيالياً، قدّم أجمل دعاية للجزائر: بلدٌ يعرف كيف يحتفل، ومجتمعٌ متصالح مع نفسه رغم إحباطاته السياسية، وتاريخٌ حضريّ ثري، ووجهةٌ نابضة بالحياة، مؤثرة وغير تقليدية.


التبذير الحقيقي يكمن في مكان آخر


كثير من المعلقين، ومعظمهم جزائريون، ركزوا على ما اعتبروه تبذيراً من جانب الأنصار، رغم أوضاعهم الاجتماعية الصعبة. لكن هذا يقودنا إلى الدرس الثالث الذي تقدمه باب الوادي، وهو درس موجّه إلى طريقة تسيير البلاد. فالتبذير الحقيقي يتمثل في الجزء الكبير من المال العام الذي يوجَّه إلى تمويل كرة القدم الاحترافية، في حين أن المنظومة تمتلك كل المقومات التي تسمح لها بتمويل نفسها من الموارد التي يمكن أن تولدها. رسالة “الكراكاج” كانت ساطعة: المشجعون الذين يضحون من أجل ألوان أنديتهم مستعدون لدفع ثمن الاشتراكات، وشراء القمصان الرسمية، وحتى التحول إلى مساهمين ومستثمرين في أنديتهم. غير أن القيود الأمنية تعطل هذه الآلة الاقتصادية.

عدد لا يحصى من المباريات يُلعب من دون جمهور، مثل مباراة مولودية الجزائر واتحاد العاصمة في مرحلة الإياب. كما أن نسبة الحضور في الملاعب محددة بـ75 في المائة، وتنقل الجماهير مع فرقها ممنوع، والمباريات تُبرمج في أوقات غير مناسبة خلال أيام الأسبوع. وهكذا يُقصى مال المشجعين، وغيره من الموارد المحتملة، من الحسابات المالية للأندية. ثم تأتي الخزينة العمومية، عبر الشركات الحكومية أو صناديق الولايات، لتسديد العجز المتراكم.

لو تم إدراج حقوق البث التلفزيوني لدوري الدرجة الأولى “موبيليس” في البورصة، لكانت الصور المنتشرة على نطاق واسع ليلة الخميس الماضي ستؤدي إلى ارتفاع سعر السهم بشكل هائل. لكن هذه الحقوق، المحاصرة داخل احتكار بائس، ما تزال تحرم كرة القدم الاحترافية من عائدات تلفزيونية تستحقها لو تم تسويقها عبر نظام المناقصات والمزايدات كما يحدث في أماكن أخرى، وبذلك تُحرم الأندية من النمو، ويُحرم العرض الكروي من التطور والجاذبية. في الجزائر، يوجد خزان حقيقي للاستهلاك المرتبط بكرة القدم كفرجة وصناعة، لكنه ما يزال معطلاً. وقد كشف “الكراكاج” التاريخي لمولودية الجزائر هذه الحقيقة لمن يرفضون رؤيتها. إنه فعلٌ اقتصادي شبه شومبيترِي (أي وفق تصور الاقتصادي جوزيف شومبيتر الذي يرى أن التطور يحدث عبر «تدمير خلّاق» للأنماط القديمة). فقد ابتكر نمطاً جديداً للإنتاج، وأدوات جديدة للتعبير، تحمل في طياتها إمكانية التغيير وتقضي على النموذج القديم. إنها، بكل بساطة، عملية “تدمير خلّاق”.

Partager cet article