يستند منطق الإذاعة الرياضية الفرنسية إلى السيناريو التالي: إذا فاز المنتخبان على الأردن وخسرا أمام الأرجنتين، ليصبح في رصيد كل منهما ثلاث نقاط، فقد يجدان مصلحة مشتركة في عدم السعي إلى الفوز بالمباراة الثالثة تفاديًا لاحتلال المركز الثاني في المجموعة. فاحتلال المركز الثالث بدلًا من الثاني من شأنه أن يجنّب مواجهة إسبانيا في دور الـ16، ويقود بدلًا من ذلك إلى مواجهة خصم يبدو أكثر قابلية للتجاوز من بين أفضل أصحاب المركز الثالث، مثل كندا أو سويسرا أو البوسنة والهرسك. ويستحضر المقال في هذا السياق المباراة الشهيرة بين ألمانيا الغربية والنمسا في خيخون عام 1982، والتي أدت إلى إقصاء المنتخب الجزائري. وهو مقال استفزازي يثير الجدل، لكنه يقوم في الوقت ذاته على فرضية تستحق أن تُناقش بجدية.
أربع نقاط هي الجائزة الحقيقية لا ثلاث
أول ثغرة في منطق آر إم سي سبورت تكمن في التعامل مع التأهل عبر المركز الثالث بثلاث نقاط وكأنه أمر محسوم. والحال أن النظام الجديد لكأس العالم، الذي يضم 48 منتخبًا موزعين على 12 مجموعة، لا يمنح بطاقات العبور سوى لثمانية منتخبات من أصل اثني عشر تحتل المركز الثالث، فيما يغادر أربعة منتخبات المنافسة.
وتُظهر قراءة البطولات التي اعتمدت صيغًا مشابهة — كأس أوروبا 2016 و2020 و2024، كأس الأمم الإفريقية، وكأس العالم لأقل من 17 سنة — أن الحصول على أربع نقاط من أصل تسع كان كافيًا في الغالب للتأهل ضمن أفضل أصحاب المركز الثالث. أما ثلاث نقاط فقد تكفي في بعض الحالات، لكنها لا توفر أي ضمانة. وهنا تكمن أهمية الفارق؛ فمع ثلاث نقاط لا يعود مصير المنتخب بين يديه، بل يصبح رهين نتائج المجموعات الإحدى عشرة الأخرى، وخاضعًا لحسابات فارق الأهداف. وفي حال تساوي عدة منتخبات في عدد النقاط، قد يصبح كل هدف يُسجل أو يُستقبل في مكان آخر عاملًا حاسمًا في تحديد المتأهلين. وبناءً على ذلك، فإن أربع نقاط هي الضمان الحقيقي، بينما ثلاث نقاط ليست سوى بوابة للقلق والترقب. لذلك، فإن الرهان الحقيقي في مباراة كانساس سيتي، إذا تحقق السيناريو المفترض، يتمثل أولًا في حصد النقطة الإضافية التي تضمن التأهل، لا في اختيار المركز الأنسب داخل المجموعة من أجل تحسين مسار الأدوار الإقصائية.
السيناريو المفترض نفسه بعيد عن اليقين
تبني آر إم سي سبورت تصورها على افتراض أن الجزائر والنمسا ستفوزان على الأردن وتخسران أمام الأرجنتين. غير أن هذا السيناريو ليس مضمونًا بأي حال؛ فكرة القدم الدولية مليئة بالمفاجآت، وكأس العالم 2026 لن يكون استثناءً. ويكفي التذكير بأن الأرجنتين نفسها خسرت مباراتها الأولى في مونديال قطر 2022 أمام السعودية بنتيجة 2-1. يومها، وجدت الألبيسيليستي نفسها أمام مباراة ثالثة أشبه بمباراة حاسمة، بعدما تحولت مهمة كانت تبدو شكلية إلى اختبار معقد.
لن يكون الأردن منافسًا سهلًا بالضرورة، كما أن الأرجنتين لن تتساهل لا مع الجزائر ولا مع النمسا. ومن ثم، فمن الوارد تمامًا أن يدخل أحد المنتخبين المباراة الثالثة برصيد مختلف عن ثلاث نقاط، وهو ما يجعل فرضية آر إم سي سبورت متجاوزة قبل أن تتحقق أصلًا.
التعادل المحسوب: فرضية بعيدة لكنها ليست مستحيلة
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل فرضية آر إم سي سبورت بالكامل. فإذا تحقق السيناريو المفترض فعلًا — ثلاث نقاط لكل منتخب، وفارق أهداف متطابق، وعدد أهداف مسجل متماثل — فإن المنتخبين سيجدان نفسيهما في وضعية توازن كاملة تقريبًا، بحيث لا يكون التعادل كافيًا أصلًا للفصل بينهما في ترتيب المجموعة.
في هذه الحالة، قد يصبح إغراء الاكتفاء بتعادل سلبي حاضرًا بقوة، إذ ستكون مصلحة الطرفين واحدة: تجنب المجازفة. فهدف يُستقبل في هجمة مرتدة قد يعني الإقصاء، بينما يضمن التعادل الوصول إلى أربع نقاط والتأهل بشكل شبه مؤكد. وهنا تكتسب فرضية آر إم سي سبورت معناها الحقيقي. فالأمر لا يتعلق بترتيب أو تواطؤ بالمعنى التقليدي، بقدر ما يتعلق بوضعية شبيهة بما يُعرف في نظرية الألعاب بـ«توازن ناش»، حيث يقود الحذر المتبادل إلى نتيجة عقلانية بالنسبة للطرفين: تعادل سلبي ممل، لكنه مفهوم من منظور الحسابات الرياضية.
ولن تكون هذه المرة الأولى التي يجد فيها المنتخب الجزائري نفسه في مثل هذا السياق. ففي كأس الأمم الإفريقية عام 1984 في بواكي، انتهت مباراة الجزائر ونيجيريا بالتعادل السلبي، في لقاء لم يسعَ فيه أي من المنتخبين إلى المغامرة، وهي نتيجة خدمت الطرفين على حساب مالاوي التي كانت تملك فرصة نظرية للتأهل على حساب نيجيريا. وقد دفع ذلك الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى تغريم الاتحادين بسبب الإخلال بروح المنافسة.
مباراة حذرة بين الجزائر والنمسا يوم 25 جوان لتجنب أي مخاطرة قد تهدد فرص التأهل؟ يبقى ذلك احتمالًا قائمًا من الناحية النظرية، غير أن نظرة التاريخ إلى المنتخبين تجعل حدوثه ضعيف الاحتمال إلى حد بعيد.


