تكشف أحكاما قضائية صادرة في تركيا، حجم نزاع عمالي تعيشه الشركات التركية العاملة في الجزائر: مئات العمال الأتراك عملوا لسنوات في أكبر ورشات البناء في الجزائر، دون تلقي رواتبهم. خلف هذا النزاع تقف خبايا كثيرة حول طبيعة عقود العمل التي يوظف على أساسها هؤلاء العمال، ما مدى مطابقتها للتشريع الجزائري؟ وما حقيقة الفوارق القائمة بين الرواتب التي يتقاضاها الأتراك وتلك التي يتقاضاها الجزائريون مقابل نفس العمل في نفس الورشات؟
حداد تسليح ferrailleur ب2500 دولار
عامل تركي، تم توظيفه كحدّاد تسليح (ferrailleur) في ورشة إنجاز الطريق السريع على مستوى الخميس. صرح محاميه أمام القضاء، أنه وقّع عقداً في 26 ديسمبر 2017، براتب قدره 2500 دولار صافي شهرياً. وفي الفاتح من مارس 2018، أجبرته الشركة الموظفة على توقيع «تصريح بالموافقة» على أن يدفع راتبه بالليرة التركية، على أساس سعر صرف ثابت يساوي 3.80 ليرة تركية مقابل 1 دولار. في 2024، إرتفعت قيمة الدولار بقوة، مقارنة بالعملة التركية، والنتيجة العامل خسارة ما يعادل 70% أو أكثر من راتبه الحقيقي..
من جهتها، نفت إدارة الشركة الموظفة وجود أي رواتب غير مدفوعة لهذا العامل، وقدمت وصلات بنكية تثبت أن راتبه يقدر ب1275 دولار شهريا وليس 2500 دولار، وأنها دفعت له كل رواتبه الشهرية طيلة فترة عمله. أما المحكمة، فقضت بتعويض العامل عن أيام العطل وكذا تعويضه عن الطرد من العمل. كما قضت أن يستلم تلك التعويضات بالليرة التركية.
عامل آخر يطالب بمستحقاته، بعدما فسخ عقده في شركة غاما التي أنجزت محطة بوفاريك لتوليد الكهرباء. ملف هذه القضية يشير إلى فترات عمل متقطعة ممتدة بين عامي 2015 إلى 2020، براتب معدله 2040 دولار شهريا. وقضت المحكمة الابتدائية بان لا مسؤولية ل”غاما هولدينغ” بإعتبار العامل قد تم توظيفه لدى شركة فرعية وليس من قبل الشركة الأم. ومع ذلك قضت المحكمة بتعويض العامل عن فسخ العقد وعن غياب الاشعار بفسخ العقد وكذا تعويضات عن الساعات الإضافية وأيام العطل، بموجب مبدأ “المسؤولية التضامنية”.
القضاء التركي بدل القضاء الجزائري
وإطلعت “مغرب إميرجون” عن خمس حالات من هذا النوع من النزاعات على الأقل، في الموقع الرسمي للنشرة الداخلية للقضاء التركي. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تدفع الشركات التركية رواتب بالدولار الأمريكي لعمالها الأتراك؟ علما أن التشريع الجزائري يفرض دفع الرواتب الدينار الجزائري. كما يفرض القانون الجزائري أيضا المساواة في الراتب لكل العمال الذي يؤدون نفس العمل. ويعطي التشريع الجزائري من جهة أخرى الحق في الانخراط في العمل النقابي للعمال الأجانب. وكل هذه الحقوق تفرض أن يفصل في نزاعات العمل هذه على مستوى المحاكم الجزائرية لا التركية.
وقال خبير في علاقات العمل ل”مغرب إميرجون” رفض الكشف عن هويته، أن العديد من الشركات التركية ” تتفاوض عادة مع عمالها في تركيا وتبرم عقود عملهم في تركيا” وحسب نفس المتحدث، فإن رواتب هؤلاء العمال تدفع على جزئين: جزء مصرح به لدى الضمان الاجتماعي والضرائب في الجزائر، ولا يخالف القانون (أي لا يختلف عن راتب العمال الجزائريين) ويدفع بالدينار الجزائري. أما الجزء الذي يدفع بالعملة الصعبة، فيدفع من قبل الشركة الأم في تركيا، على أن تحول لها الشركة الفرعية مقابل هذه الرواتب، في إطار التنظيم المعمول به لتحويل عائدات الشركات الأجنبية إلى الخارج.
وكانت الصحافة التركية قد نقلت قضية عمال شركة توسيالي الذين لم يتقاضوا رواتبهم لمدة تصل لأحيانا لثمانية أشهر. القضية صنعت الحدث شهر رمضان الماضي، حين قاطع هؤلاء العمال الإفطار الذي نظمته الإدارة على شرفهم. وبررت إدارة توسيالي التأخر في دفع رواتب عمالها الأتراك، بكون السلطات الجزائرية رفضت الترخيص بتحويل مقابلها بالعملة الصعبة .


