منذ دخوله حيز التنفيذ في جويلية 2025، أصبح البرنامج التقديري للاستيراد (PPI) إجراءً إلزامياً بالنسبة إلى عدد كبير من المؤسسات. وكان يُفترض، على الورق، أن يساهم هذا النظام في إحكام تأطير عمليات التجارة الخارجية. لكن في الميدان، يصف الصناعيون واقعاً مختلفاً: قواعد تتغير باستمرار، وآجال تُرحّل من فترة إلى أخرى، وملفات تضطر أحياناً إلى العودة إلى نقطة الصفر.
وبين توجيهات الوزارة، والمتطلبات البنكية، وعمليات فتح المنصات على مراحل، يؤكد المتعاملون الاقتصاديون أنهم يعانون قبل كل شيء من غياب الرؤية الواضحة. أُقرّ البرنامج بهدف تشديد الرقابة على الاستيراد، ثم جرى تمديده لسنة 2026، لكن منذ إقراره، وجدت المؤسسات نفسها مضطرة إلى التكيف الدائم مع سلسلة متلاحقة من المذكرات والبيانات والآجال الجديدة.
قرارات تتغير من شهر إلى آخر
بدأ النظام في إنتاج آثاره خلال النصف الثاني من سنة 2025، حيث كان يتعين على المؤسسات إيداع توقعاتها بشأن الاستيراد قبل المضي في الإجراءات البنكية. وسرعان ما تطورت القواعد؛ ففي أوت 2025، أوضح توجيه جديد أن البرنامج التقديري يجب أن يُسجّل لدى بنك واحد فقط. وفي سبتمبر، أُدخلت توضيحات أخرى بشأن الآجال وإمكانية مراجعة البرامج.
وحمل مطلع سنة 2026 تعديلات جديدة؛ إذ حددت الوزارة أجلاً جديداً لإيداع برنامج النصف الأول، قبل أن تُثبّته في نهاية المطاف عند 26 فيفري. وفي مارس، أُدرج مستوردو المنتجات النهائية الموجهة لإعادة البيع على حالها ضمن هذا النظام، وفتحت المنصة المخصصة لهم من 22 مارس إلى 30 أفريل.
أما منصة البرامج الخاصة بالنصف الثاني من سنة 2026، فقد فُتحت في 23 جوان، وكان بإمكان المتعاملين إيداع برامجهم إلى غاية 31 جويلية. وفي بداية جويلية، أدخلت تدابير جديدة تعديلات أخرى على وضعية بعض البرامج. وفي 6 أوت، أعلنت الوزارة عن تسهيل جديد تمثل في رفع مدة صلاحية تأشيرة البرامج الموجهة للتوطين البنكي من 45 إلى 90 يوماً، مع تمديد صلاحية بعض برامج النصف الأول إلى غاية 15 سبتمبر.
بالنسبة إلى المؤسسات، تطرح هذه السلسلة من التغييرات مشكلة أساسية: كيف يمكن التخطيط لإنتاج يمتد لعدة أشهر في بيئة تتغير شروطها الاستيرادية باستمرار؟
بعد سنة… الصناعيون ما زالوا في الانتظار
لا تقتصر المشكلة على تجار التجزئة أو مستوردي المنتجات النهائية، بل تمتد لتطال الصناعيين الذين يحتاجون إلى الآلات وقطع الغيار والمواد الأولية لضمان استمرار وحداتهم الإنتاجية.
يلخص أحد المتعاملين الصعوبات التي واجهها مصنعه، الذي يضم مستثمرين أجانب وكان يتطلع إلى توسيع إنتاجه، في توقف خط الإنتاج بسبب عطل تقني مفاجئ. يقول المتعامل: «مصنعي متوقف بسبب آلة بسيطة قيمتها 5 آلاف دولار».
تعطلت الآلة بعد المصادقة على برنامج النصف الأول، فطلب استيرادها على نفقته الخاصة وبأمواله الذاتية، لكن طلبه قوبل بالرفض، وأُحيل ملفه إلى برنامج النصف الثاني. وعند فتح المنصة مجدداً، تفاجأ بغياب خانة التجهيزات.
كان المصنع يشغّل نحو 60 عاملاً، ويؤكد المسؤول بحسرة: «اليوم، هؤلاء العمال أحيلوا على البطالة».
وتزداد المعضلة تعقيداً بالنسبة إلى المؤسسات الناشئة أو الراغبة في فتح خطوط إنتاج جديدة. فالمؤسسة التي أُنشئت في بداية السنة، وأنفقت أشهراً في تجهيز مصنعها وتوفير مقراتها وزبائنها، تجد نفسها عاجزة عن الإنتاج بسبب نقص المواد الأولية.
والأسوأ من ذلك أن النظام يشترط على الشركة أن تكون قد بدأت نشاطها ووظفت عمالها حتى تُمنح حق الاستيراد، في حين أنها تحتاج إلى الترخيص بالاستيراد لكي تبدأ النشاط أصلاً؛ وهي مفارقة يصعب تبريرها اقتصادياً.
المواد الأولية: عندما تحدد الإدارة احتياجات المصنع
تتعلق الصعوبة الأخرى بتحديد الكميات. يوضح الصناعي أنه يحدد احتياجاته بدقة لسداسي كامل، لكنه يفاجأ بتقليص الكميات المطلوبة عند الموافقة: «أحدد ما أحتاجه، ثم أجد نفسي أمام نصف الكمية التي طلبتها».
وهنا يطرح السؤال نفسه: من أدرى باحتياجات المصنع، الإدارة أم الصناعي الذي يدير المنشأة ويشغلها يومياً؟
تلك هي نقطة التوتر الأساسية؛ فالمادة الأولية بالنسبة إلى الصناعي ليست مجرد رقم في جدول، بل هي حجم إنتاج، وطلبات زبائن، وأجور عمال. وعندما تنقص، تتوقف السلسلة الإنتاجية بأكملها.
وتزداد المشكلة حدة في حالة قطع الغيار؛ فقد تبلغ قيمة المنشأة ملايين الدولارات، لكن غياب قطعة صغيرة كفيل بتعطيل خط إنتاج كامل.
مراسلات إلكترونية لا تعوض الحوار المباشر
رغم استحداث المنصات الرقمية والبريد الإلكتروني، يرى المتعاملون أن هذه الوسائل لا تتيح دائماً شرح الوضعيات المعقدة، مؤكدين وجود «رسائل تبقى من دون رد».
فالمنصة الرقمية قد تتيح إيداع وثيقة، والبريد الإلكتروني قد ينقل طلباً، لكنهما لا يعوضان الحوار المباشر عندما يتعلق الأمر بعطل طارئ، أو إطلاق خط إنتاج جديد، أو استيراد مادة أولية ذات طبيعة خاصة.
يحتاج المتعامل إلى معرفة سبب تخفيض الكمية الممنوحة له، وإلى شرح الأهمية الحيوية لآلة معينة. ومع تأخر الإجابات، تبقى المؤسسة في حالة انتظار ومعها تتعطل آلات، وتتأخر طلبات، ويجد عمال أنفسهم بلا نشاط.
عندما يعطل استيراد قطعة واحدة إنتاجاً كاملاً
كان الهدف المعلن للبرنامج التقديري هو إحكام تنظيم الاستيراد، لكن بالنسبة إلى الصناعة، أصبحت القضية تمس «استمرارية الإنتاج».
فالمصنع لا يعمل بالآلات وحدها، بل يحتاج إلى تدفق مستمر للمواد الأولية والمكونات وقطع الغيار. وغياب عنصر واحد قد يعنيي توقف الدورة الإنتاجية بأكملها.
وهكذا، فإن أية مشكلة تبدو إدارية في ظاهرها، في ظل بيئة تنظيمية تتغير من شهر إلى آخر، قد تتجسد داخل المصانع على شكل أزمات إنتاج، وتعطل للعمال، وتجميد للاستثمار.


