الانتخابات البلدية في فرنسا: «مفاجأة فرنسا الأبية» توجه صفعة قوية للإعلام

Oussama Nadjib
5 min de lecture
حقق ديفيد جيرو، الظاهر في الصورة مع ميلانشون، فوزاً ساحقاً في روبيه. وحققت حركة فرنسا الأبية، هذا النجاح رغم الحملة الإعلامية العدائية التي شنتها في فرنسا عقب إدانته لمجزرة غزة.

بفضل رسوخها في الأحياء الشعبية ودعمها الثابت لغزة، نجحت حركة فرنسا الأبية في كسر الحصار الإعلامي وفرضت نفسها قوةً محورية داخل اليسار في مواجهة الحزب الاشتراكي وصعود اليمين المتطرف.

بينما كانت قنوات الأخبار المتواصلة تتنبأ بانهيار حركة فرنسا الأبية (LFI) وفوز كاسح لحزب التجمع الوطني (RN)، رسمت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البلدية واقعاً مغايراً تماماً. فبفضل حضورها التاريخي في الأحياء الشعبية وموقفها القاطع من القضية الفلسطينية، برزت فرنسا الأبية كقوة محورية في معسكر اليسار، مزعزعةً معاقل الاشتراكيين وسادّة الطريق أمام اليمين المتطرف في كبرى المدن.

الميدان في مواجهة البلاطوهات التلفزيونية

في الوقت الذي كان فيه المعلّقون السياسيون في باريس يتنبأون بهزيمة مدوية لفرنسا الأبية — التي كانت هدفاً لحملة سياسية وإعلامية عنيفة، خصوصاً بسبب دعمها الثابت لغزة وتنديدها بالإبادة الجماعية — فرض الناخبون واقعاً مختلفاً تماماً. صحيح أن حزب مارين لوبان حقق تقدماً، لكنه بقي محدوداً ولم يتحول إلى انتشار بلدي واسع النطاق. فقد تقدم التجمع الوطني بالفعل، لكن من دون الزخم الكاسح الذي منحته إياه استطلاعات الرأي.

وفي النهاية، كانت فرنسا الأبية، التي تتعرض يومياً للتهميش من قبل جزء واسع من المشهد الإعلامي (ولا سيما وسائل الإعلام التابعة لمجموعة بولوري)، هي التي صنعت الحدث. فقد تمكنت الحركة من فرض نفسها في عدد من المدن الشعبية التي كانت حتى وقت قريب تُعتبر هامشية فيها، ما يثبت أن العمل الميداني القريب من المواطنين قادر على كسر أكثر الحواجز صلابة.

الجذور الشعبية: مفاجأة سان دوني وروبيه

انفجرت المفاجأة أولاً في سان دوني، المدينة التي تُعد رمزاً للتنوع الفرنسي. فقد انتُخب بالي باغايوكو، المدعوم من فرنسا الأبية والمتحالف مع الحزب الشيوعي الفرنسي، رئيساً للبلدية منذ الجولة الأولى بأكثر من 50 في المئة من الأصوات، منتزعاً المدينة من الحزب الاشتراكي. هذا الانتصار الواضح يؤكد قدرة حركة طالما وُصفت بأنها «منفصلة عن الواقع» على تحويل عمل ميداني طويل إلى انتصار انتخابي كبير.

وفي روبيه كانت الدينامية لافتة بالقدر نفسه، إذ تصدر دافيد غيرو، أحد أبرز المدافعين عن حقوق الفلسطينيين في الجمعية الوطنية، النتائج بفارق كبير مقترباً من الأغلبية المطلقة. وتُظهر هذه النتائج أن صعود فرنسا الأبية ليس ظرفياً، بل يندرج ضمن موجة أعمق في المناطق الشعبية، حيث يجد التصويت الاحتجاجي اليوم تعبيراً سياسياً محلياً منظماً وتمثيلاً حقيقياً.

باريس ومرسيليا: فرنسا الأبية في قلب المعادلة

تعكس كل من العاصمة باريس ومدينة مرسيليا هذه المعادلة الجديدة التي أصبحت فيها فرنسا الأبية قوةً محورية. ففي باريس بدأ سيناريو الهيمنة الاشتراكية يتصدع. صحيح أن إيمانويل غريغوار تصدر النتائج بنسبة 36,4 في المئة، لكنه بات مضطراً إلى التعامل مع نتيجة صوفيا شيكيرو التي حصدت 13,7 في المئة. وبوصولها إلى الجولة الثانية، كسرت فرنسا الأبية فكرة «التصويت المفيد» التلقائي لصالح الحزب الاشتراكي.

أما في مرسيليا، فالوضع أكثر حساسية. ففي مواجهة متقاربة بين رئيس البلدية المنتهية ولايته بونوا بايان (35,6 في المئة) ومرشح التجمع الوطني فرانك أليزيو (35,1 في المئة)، يبرز سيباستيان ديلوغو (12,4 في المئة) بوصفه صانع الملوك. وقد وضع مرشح فرنسا الأبية رئيس البلدية في موقف حرج: فرفض الوحدة باسم الخط الوطني للحزب الاشتراكي قد يعني تسليم ثاني أكبر مدن فرنسا لليمين المتطرف.

المأزق الاستراتيجي للحزب الاشتراكي

هذا التقدم يضع قيادة الحزب الاشتراكي في موقف بالغ الحساسية. فبعد أن راهنت طويلاً على انهيار فرنسا الأبية، تروي صناديق الاقتراع قصة مختلفة: الحزب الاشتراكي يفقد معاقله التاريخية ويجد نفسه تحت ضغط متزايد. وبات الحزب عالقاً بين خطاب إعلامي يشيطن فرنسا الأبية وواقع انتخابي يُظهر أن اليسار، من دون أصوات الأحياء الشعبية وشباب فرنسا الأبية، مهدد بالإقصاء.

يمين مشتت وتجمع وطني تحت سقف محدود

رغم تحقيقه نتائج مرتفعة في المناطق شبه الحضرية، ما زال التجمع الوطني يصطدم بسقف زجاجي في المدن الكبرى. فبعيداً عن الاكتساح الذي وعدت به مؤسسات استطلاع الرأي، يواجه الحزب شبكة بلدية ضعيفة ومقاومة قوية من المدن الكبرى متعددة الثقافات.

تكشف هذه الجولة الأولى عن فرنسا سياسية أكثر تعقيداً بكثير مما تصوره الروايات الإعلامية المبسطة. كما تؤكد قبل كل شيء نجاح استراتيجية يسار لا يخشى الدفاع عن مبادئه، سواء تعلق الأمر بالعدالة الاجتماعية داخل فرنسا أو بالتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

Partager cet article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *