الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (غافي): لماذا يُعدّ ذلك خبراً ساراً للاقتصاد الجزائري

شُطبت الجزائر رسمياً، يوم الجمعة 19 جوان 2026، من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي (غافي). ويؤكد هذا القرار البارز، الذي تم اعتماده خلال الاجتماع العام للمنظمة الدولية في باريس، أن المنظومة المالية الجزائرية أصبحت تستجيب للمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبالنسبة للبلاد، يمثل هذا التطور نهاية مرحلة من المتابعة المعززة وبداية مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي.

5 min de lecture
شطب الجزائر من قائمة "غافي" الرمادية.. إزاحة عائق كبير أمام الاقتصاد الوطني

أعادت صفحة بنك الجزائر على فيسبوك نشر مقال لوكالة الأنباء الجزائرية تحدث عن «محطة تاريخية» تميزت بمشاركة وفد جزائري رفيع المستوى برئاسة وزير المالية ومحافظ بنك الجزائر، محمد لمين لبو. وأشارت الوكالة إلى أن قرار رفع الجزائر من القائمة الرمادية يُعد «دليلاً ملموساً على الإرادة السياسية للدولة وفعالية الإصلاحات المنجزة».

في الواقع، يمثل هذا القرار نهاية فترة من المتابعة الدولية المشددة وبداية متنفس اقتصادي جديد، كما يشكل إشارة قوية من المجتمع الدولي تعكس الثقة في متانة ومرونة النظام المالي الوطني. وكانت الجزائر قد أُدرجت ضمن هذه القائمة في أكتوبر 2024، قبل أن تطلق سلسلة من الإصلاحات العميقة الرامية إلى تعزيز نزاهة قنواتها المالية. وبعد عملية تقييم ميداني نهائية أجراها خبراء دوليون في الجزائر العاصمة، صادقت مجموعة العمل المالي على استيفاء الجزائر للمعايير المطلوبة في مجال الشفافية المالية ومكافحة الجرائم المالية.

بيروقراطية أقل وتوجيه أفضل للجهود

لكن بعيداً عن النصوص القانونية، ما الذي سيتغير عملياً؟ وكيف ستتعامل البنوك الجزائرية مستقبلاً مع زبائنها؟ من أجل الخروج من القائمة الرمادية، كان على المنظومة المصرفية الجزائرية مراجعة أساليب عملها. فلم تعد البنوك مطالبة بالتعامل مع جميع الملفات بالدرجة نفسها من الحذر، بل أصبحت تعتمد ما يُعرف بـ«النهج القائم على المخاطر». ويعني ذلك عملياً تركيز جهود الرقابة على العمليات التي تنطوي على مؤشرات خطر مرتفعة، مثل التحويلات غير المبررة أو العمليات المرتبطة بقطاعات حساسة.

أما بالنسبة للمواطن أو المتعامل الاقتصادي العادي، فمن المفترض أن يترجم ذلك إلى إجراءات أكثر سلاسة وتقليص في المتطلبات الإدارية غير الضرورية. كما أصبح موظفو البنوك يعتمدون إجراءات أكثر دقة لتحديد المستفيد الحقيقي من الشركات والتحقق من مصادر الأموال. ويسمح ذلك بالكشف عن الأموال غير المشروعة بشكل أكثر فعالية، دون تعطيل نشاط الزبائن الملتزمين بالقانون بسبب إجراءات احترازية مفرطة.

هل ستتسارع التحويلات المالية؟

يُعد هذا الجانب من أبرز الآثار الملموسة بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين. فعندما يُدرج بلد ما في القائمة الرمادية، تُوصي مجموعة العمل المالي المؤسسات المالية حول العالم بتطبيق تدابير عناية واجبة معززة عند التعامل معه.

وخلال الفترة الماضية، كانت العديد من العمليات المالية الدولية المرتبطة بالجزائر تخضع لإجراءات تدقيق إضافية قد تؤدي إلى إطالة آجال المعالجة ورفع تكاليف الامتثال. أما اليوم، فإن رفع الجزائر من القائمة الرمادية من شأنه أن يقلص هذه القيود ويُسرّع معالجة التحويلات الدولية، بفضل تحسن مستوى الثقة في المنظومة المالية الوطنية. ولا يعني ذلك اختفاء الرقابة، وإنما العودة إلى المعايير العادية المطبقة على البلدان غير المدرجة في قوائم المتابعة.

الاستثمارات الأجنبية والمصداقية الدولية

يمكن أن ينعكس هذا التطور إيجاباً على الاقتصاد الوطني من خلال مسارين رئيسيين. فتصنيف أي بلد ضمن. القائمة الرمادية غالباً ما يؤثر سلباً على صورته لدى المستثمرين الدوليين ويزيد من إدراك المخاطر المرتبطة به. ومن شأن خروج الجزائر من هذه القائمة أن يبعث برسالة طمأنة إلى الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية، بما قد يساهم في تحسين جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية المباشرة، حتى وإن كانت عوامل أخرى ما تزال تؤثر في قرار الاستثمار.

أما الأثر الثاني، فيتعلق بالقطاع المصرفي الجزائري الذي قد يستفيد من تعزيز مصداقيته لدى المؤسسات المالية العالمية، مما يسهل إقامة شراكات جديدة وتطوير العلاقات مع البنوك المراسلة الأجنبية.

تحدي الاقتصاد غير الرسمي

أخيراً، تطرح هذه الخطوة سؤالاً مهماً بشأن تأثيرها على حجم الاقتصاد غير الرسمي في الجزائر. فتعزيز الشفافية داخل المنظومة المصرفية الرسمية، وتحسين قدرتها على التتبع والاندماج في الشبكات المالية الدولية، قد يساهم على المدى المتوسط في تشجيع جزء من الأموال المتداولة خارج القنوات الرسمية على الاندماج في الدورة الاقتصادية النظامية. ومع ذلك، يبقى تحقيق هذا الهدف رهيناً بقدرة السلطات على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الرقابة والامتثال من جهة، وضرورة توفير بيئة مصرفية جذابة وسهلة الاستخدام من جهة أخرى، حتى لا تتحول الإجراءات التنظيمية إلى عامل نفور بالنسبة لبعض الفاعلين الاقتصاديين.

يسمح خروج الجزائر من القائمة الرمادية بطي صفحة المتابعة المعززة وتطبيع علاقاتها المالية مع الشركاء الدوليين، مع تسهيل جزء من المعاملات المرتبطة بالتجارة والاستثمار. وتمثل هذه الخطوة محطة مهمة على طريق تحديث الاقتصاد الوطني وتعزيز انفتاحه ومناعته.

Partager cet article