تصدر ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية، واجهة الصحف الوطنية الصادرة اليوم. وبإختلافات بسيطة في التعبير، أجمعت عناوين الصفحات الأولى، سواء باللغة العربية او الفرنسية، على إلقاء مسؤولية هذا الضعف على الأحزاب.
الشروق: “تحرّر الصندوق وأفلست الأحزاب”
جاءت افتتاحية “الشروق اليومي” الأكثر وضوحًا في تحميل المسؤولية، إذ اختارت عنوانًا صادمًا: “تحرّر الصندوق وأفلست الأحزاب!”، مرفقًا بعنوان فرعي يختصر التشخيص: “تأمين الانتخابات لم يؤدِّ إلى ارتقاء المسار، ومعدل الإقبال الشعبي يبقى نقطة سوداء”. ونقلت الجريدة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تأكيدها أن نسبة المشاركة في التشريعيات بلغت 20.79 بالمئة مع نهاية عملية التصويت، مشيرة إلى أن الإعلان عن الفائزين بمقاعد البرلمان سيتم خلال 72 ساعة من استلام كامل المحاضر.
كما استحضرت “الشروق” تصريح الرئيس عبد المجيد تبون عقب أدائه الواجب الانتخابي، والذي شدد فيه على أن مرحلة الكوطة في الانتخابات انتهت ولا مساس اليوم بصوت الشعب، مؤكدًا عدم تسجيل أي شكوى من مترشح أو حزب بخصوص التزوير في الجزائر الجديدة، في رسالة اعتُبرت تبرئة صريحة للسلطة من المسؤولية عن العزوف الانتخابي، وإحالتها كاملة على الفاعل الحزبي.
الخبر: “إخفاق ذريع للأحزاب”
في السياق ذاته، اختارت “الخبر” عنوانًا رئيسيًا لا يقل حدّة: “إخفاق ذريع للأحزاب“، مع عنوان فرعي يربط مباشرة بين ضعف المشاركة وغياب الخطاب السياسي المقنع: “مشاركة ضعيفة في تشريعيات 2026 تعكس غياب خطاب سياسي مقنع”. ونقلت الجريدة عن الرئيس تبون قوله إن البرلمان القادم سيكون نظيفًا، وأن مرحلة الكوطة انتهت، مشيرًا إلى أنه سيتم انتخاب رئيس جديد للغرفة السفلى للبرلمان قبل اختتام الدورة البرلمانية الحالية.
لوسوار دالجيري: “إفلاس الأحزاب السياسية”
أما يومية “لوسوار دالجيري” الناطقة بالفرنسية، فاختارت عنوانًا مطابقًا في المضمون: “La faillite des partis politiques“ (إفلاس الأحزاب السياسية)، مؤكدة بدورها نسبة الـ20.79 بالمئة، ونقلت تصريح الرئيس تبون بالفرنسية حول انتهاء عهد الكوطة في الانتخابات، في تأكيد إضافي على أن الخطاب الرسمي يضع كامل العبء على الطبقة الحزبية.
الوطن: “إفلاس الأحزاب أمام نهاية الكوطة”
بدورها، سارت “الوطن” على النهج ذاته بعنوان: “La faillite des partis face à la fin des quotas” (إفلاس الأحزاب أمام نهاية نظام الكوطة)، ضمن ملف خصصته لما وصفته بـ”محنة صناديق الاقتراع”، لتكتمل بذلك الصورة الإعلامية الموحدة التي رسمتها أربع من أبرز الصحف الوطنية، عربية وفرنكوفونية، في يوم واحد.
جدل المادة 200 يعود إلى الواجهة
ولم يكن هذا الإجماع الإعلامي وليد فراغ، إذ يأتي في سياق جدل سياسي وقانوني حاد سبق موعد الاقتراع، تمحور حول المادة 200 من قانون الانتخابات، التي أقصت أكثر من نصف نواب البرلمان الحاليين، من بينهم عدد من رؤساء اللجان البرلمانية، بداعي الشبهات المرتبطة بأوساط المال والأعمال المشبوهة. إقصاء واسع أثار موجة انتقادات حزبية متباينة، اعتبره البعض تطهيرًا ضروريًا للحياة السياسية، فيما رأى فيه آخرون ضربة إضافية أضعفت من قدرة الأحزاب على تعبئة قواعدها الانتخابية، في ظرف سياسي أصلًا هش.
الرئيس تبون: “لا مساس بصوت الشعب”
وفي تصريحه عقب الإدلاء بصوته، حرص الرئيس عبد المجيد تبون على تكريس خطاب القطيعة مع ممارسات الماضي، مؤكدًا انتهاء “عهد الكوطة” التي كانت تُوزَّع بموجبها المقاعد البرلمانية مسبقًا بين الأحزاب، وشدد على أن العملية الانتخابية جرت هذه المرة بنزاهة تامة، في غياب أي شكوى موثقة من التزوير من طرف المترشحين أو الأحزاب المشاركة.
“”الأرسيدي” : العزوف “حكم سياسي” ضد النظام
في المقابل، قدّم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، قراءة مغايرة تمامًا لأسباب ضعف المشاركة، معتبرًا في بيان صادر عنه أن نتائج تشريعيات 2 جويلية تؤكد حقيقة سياسية ينكرها النظام منذ سنوات، وهي أن الجزائريين أداروا ظهرهم مجددًا لمسار انتخابي أفرغته السلطة من مضمونه. واعتبر الحزب أن هذا العزوف ليس مجرد لامبالاة، بل حكم سياسي قاطع ضد نظام وصفه بالمغلق والسلطوي والعاجز عن إصلاح نفسه.
وأوضح التجمع أنه اختار العودة إلى المشاركة الانتخابية بعد غياب منذ 2017، ليس بدافع انتهازي، بل حرصًا على عدم ترك الساحة السياسية فارغة من صوت معارض، رغم ما وصفه ببيئة سياسية معادية طبعتها عراقيل إدارية وضغوط على المترشحين خلال الحملة. وجدد الحزب التزامه بمواصلة النضال داخل البرلمان من أجل دولة القانون والقضاء المستقل واحترام الإرادة الشعبية.
جيل جديد: العزوف نتيجة تراكمات منذ الحراك
من جهته، قدّم النائب زهير رويس عن حزب جيل جديد تحليلاً مغايرًا يربط ضعف المشاركة (20.79 بالمئة وطنيًا، مقابل 10.67 بالمئة فقط لدى الجالية بالخارج) بمسار طويل من الفرص السياسية الضائعة منذ الحراك الشعبي لسنة 2019. واعتبر أن غياب حوار وطني حقيقي عقب الحراك، ثم مقاطعة جزء من المعارضة لتشريعيات 2021، تركا فراغًا سياسيًا استفادت منه الأحزاب التقليدية، بينما انغلق المشهد السياسي تدريجيًا عبر تشديد قانوني الانتخابات والأحزاب.
ورأى رويس أن ضعف الإقبال هذه المرة ليس حادثًا عابرًا، بل نتيجة تآكل تراكمي للثقة بين المواطن والمؤسسات، لا يمكن معالجته إلا عبر إعادة فتح المجال السياسي وضمان تعددية حقيقية ووصول عادل إلى الإعلام العمومي، معتبرًا أن استعادة المواطنين لثقتهم بصناديق الاقتراع رهينة بإصلاحات سياسية عميقة تتجاوز مجرد تنظيم استحقاقات دورية.
إفلاس سياسي متراكم
يعكس هذا التباين بين الخطاب الإعلامي الرسمي، الذي يحمّل الأحزاب مسؤولية العزوف، وبين قراءات معارضة تحمّل السلطة والمنظومة القانونية جزءًا كبيرًا من المسؤولية، عمق الانقسام حول تفسير الأزمة السياسية في الجزائر. فبعد سنوات من تجميد نشاط عدد من الأحزاب المعارضة وتضييق المجال السياسي، تبقى نسبة المشاركة الضئيلة مرآة تعكس، وفق مختلف القراءات، فجوة متجذرة بين المواطن والفعل السياسي بمختلف أطرافه، سلطةً ومعارضة.


