حصيلة بيتكوفيتش: أذاكرة الجزائريين قصيرة؟

تطالب غالبية المنشورات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي برحيل فلاديمير بيتكوفيتش، بعد إقصاء المنتخب الجزائري أمام سويسرا في الدور ثمن النهائي لكأس العالم، فجر الجمعة 3 جويلية 2026. وتجمع مبررات المنتقدين لمسيرة المنتخب الجزائري في المونديال بين اعتبارات فنية وأخرى أقرب إلى الخيال، من بينها اتهام المدرب البوسني-السويسري بمحاباة بلده الثاني الذي يحمل جنسيته، والذي واجه "الخضر" في فانكوفر.

8 min de lecture
في مواجهة سيل الأحكام من أولئك الذين يشعرون بخيبة أمل، فإن القليل من التفكير المنطقي حول سجل بيتكوفيتش أمر مفيد.

وقد بلغت الحملة المطالبة بإقالة فلاديمير بيتكوفيتش حداً من الشراسة دفع عدداً من وسائل الإعلام إلى التأكيد أن مصيره قد حُسم بالفعل، وأن رحيله سيُعلن فور عودة بعثة المنتخب إلى الجزائر. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الواجب أيضاً إنصاف هذا المدرب الذي خلف جمال بلماضي في فيفري 2024.


أفضل نسبة انتصارات


كانت الجزائر تحتل المركز 43 في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” عندما تولى فلاديمير بيتكوفيتش زمام الأمور في صفوف “الخضر”. ثم ارتقت إلى المركز 28 قبل انطلاق المونديال، قبل أن تتراجع إلى المركز 29 بعد الإقصاء، إثر مشوار واجهت خلاله ثلاثة منتخبات تتفوق عليها في التصنيف، من بينها الأرجنتين، المصنفة الأولى عالمياً وحاملة اللقب. أما حصيلة الفترة الأخيرة من عهد جمال بلماضي، الممتدة من 2021 إلى 2024، بعد تتويجه بكأس أمم إفريقيا 2019 في مصر، فتتلخص في خروجين مبكرين من دور المجموعات في كأس أمم إفريقيا، وإخفاق في التأهل إلى مونديال قطر 2022، بعد الغياب أيضاً عن مونديال روسيا 2018. وهذا يعني أن الجزائر كانت قد اختفت من واجهة المنافسات الكبرى، سواء في كأس العالم أو في الأدوار المتقدمة لكأس أمم إفريقيا.

وخلال 28 شهراً من قيادته للمنتخب، أعاد بيتكوفيتش الجزائر إلى ربع نهائي كأس أمم إفريقيا، ثم إلى الدور الثاني من كأس العالم. كما مددت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم “الفاف” عقده بناءً على نتائج كان قد حقق معظمها بالفعل. وعلاوة على ذلك، فإن فلاديمير بيتكوفيتش هو المدرب الوطني صاحب أعلى نسبة فوز مقارنة بمعدل المباريات التي أشرف عليها خلال العشرين سنة الأخيرة، إذ بلغت نسبة انتصاراته 69 بالمائة، متقدماً على جمال بلماضي الذي حقق 68 بالمائة، ومتجاوزاً بفارق واضح وحيد حاليلوزيتش الذي بلغت نسبته 60 بالمائة. ومن الناحية الفنية البحتة، لا يبدو أن هناك مجالاً للجدل، فقد نجح فلاديمير بيتكوفيتش في إعادة المنتخب الجزائري إلى سكة النتائج الإيجابية.


الاستحواذ.. هوية لعب


ومع ذلك، يملك المنتخب الجزائري الحق المشروع في التطلع إلى ما هو أفضل، وتحديداً إلى تحقيق إنجاز مشرف في كأس العالم، أو على الأقل تقديم أداء كبير يعيد إلى الأذهان ما حدث في مونديال 2014، عندما جرّت الجزائر ألمانيا إلى أقصى حدود الإثارة قبل أن تخسر بعد الوقت الإضافي في الدور ثمن النهائي. وتأخذ موجة الانتقادات التي تنهال على بيتكوفيتش مأخذاً عليه بنقص الطموح وغياب هوية واضحة في اللعب. غير أن هذا أيضاً حكم جائر، فمنتخب بيتكوفيتش هو الأكثر ميلاً إلى اللعب في تاريخ المنتخب الجزائري، إذ سجل أعلى نسبة استحواذ على الكرة مقارنة بمشاركات “الخضر” الأربع السابقة في كأس العالم.

ولعل العتاب الذي يمكن أن يوجه إليه هو العكس تماماً: لماذا يصر على فرض أسلوب اللعب، في حين أن “الحمض النووي” للمنتخب الجزائري، الذي تكرس في مونديال 1982، يقوم على التحولات الهجومية السريعة؟ فقد سجل “الخضر” هدفين في مرمى ألمانيا الغربية وثلاثة أهداف في مرمى تشيلي، ثم تأكد هذا الإرث مجدداً في مونديال 2014 أمام بلجيكا وكوريا الجنوبية وألمانيا. غير أن هذا يبقى نقاشاً تكتيكياً يتداخل فيه عدد كبير من العوامل، من بينها الخصائص البدنية والفنية للاعبين، وجودة بناء اللعب من الخط الخلفي، وسرعة المهاجمين وقدرتهم على استغلال العمق، وإدارة فترات الضغط، وتطور نتيجة المباراة، وغيرها. ولا تستطيع الجزائر، بالنوعية البشرية التي تملكها، أن تعتمد دائماً على الدفاع المتأخر وتترك الكرة لمنافسيها.

وقبل قدومه إلى الجزائر، طوّر فلاديمير بيتكوفيتش أسلوب لعب المنتخب السويسري نحو مزيد من التحكم الجماعي والاستحواذ، ولم تكن فلسفته الهجومية قائمة يوماً على الدفاع أو الانتظار. وكان يفترض بالاتحادية الجزائرية لكرة القدم أن تعلم ذلك عندما تعاقدت معه. والمباراة الوحيدة التي تلاشت فيها هذه البصمة تماماً كانت ربع نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة أمام نيجيريا. أما أمام سويسرا، فقد حاول “الخضر” باستمرار، لكنهم تعرضوا للهجمات المرتدة، وعجزوا عن إيجاد الحلول في الهجوم المنظم. فهل يدل ذلك على نقص الطموح أو غياب هوية اللعب؟ الأكيد أن المشكلة تكمن في مكان آخر.


التكوين.. ثقوب كبيرة في المنظومة


صحيح أن شباك الجزائر لم تستقبل هذا العدد من الأهداف في أي مشاركة سابقة بكأس العالم، وإن كان ذلك خلال أربع مباريات فقط، إذ بلغ المعدل 2.4 هدف في المباراة، بإجمالي تسعة أهداف. ولا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً ليدرك كيف يمكن لخطة لعب طموحة أن تنهار: فلا يوجد حارس مرمى بمستوى دولي، ولا حلول دفاعية تبعث على الاطمئنان، حتى مع الاعتماد على ثلاثة مدافعين في قلب الدفاع. فهل تقع المسؤولية على عاتق الطاقم الفني وحده؟ عند تقييم الحصيلة، لا بد أيضاً من الالتفات إلى الجهة التي تُنتج المورد البشري، أي إلى منظومة حوكمة كرة القدم. فهناك مراكز، ولا سيما حراسة المرمى وقلب الدفاع، تعاني نقصاً واضحاً في المواهب. ويواصل ماندي أداء دوره بشجاعة، بينما لعب بن سبعيني وهو يعاني من الإصابة.

وعندما يعجز استقطاب أبناء الجالية عن سد هذه الثغرات، لا تنجح منظومة التكوين داخل الجزائر في تعويضها، وليس فقط في مراكز حارس المرمى وقلب الدفاع ورأس الحربة. كما أن معدل الأهداف المسجلة كان أقل مما حققه المنتخب في مونديال البرازيل 2014. ففي كأس أمم إفريقيا 2019 بمصر، كان بغداد بونجاح وإسلام سليماني يتقاسمان مركز رأس الحربة بكفاءة. أما في أمريكا الشمالية، وبعد إصابة محمد أمين عمورة، فقد بدا البديل هشاً إلى حد كبير، مع محدودية الاعتماد على بن بوعلي، ما دفع الجهاز الفني إلى اللجوء إلى خيار اللعب من دون مهاجم صريح، علماً أن أمين غويري ليس رأس حربة تقليدياً، وذلك في مواجهة الكتلة الدفاعية السويسرية المتماسكة.

وتعاني كرة القدم الجزائرية بالفعل من ثغرات كبيرة في منظومة التكوين الاحترافي، وقد دفع المنتخب ثمن ذلك بوضوح. ومع ذلك، ينبغي وضع الأمور في سياقها الصحيح. ففي مونديال 2010 بجنوب إفريقيا، لم يستقبل منتخب رابح سعدان سوى هدفين، لكنه لم يسجل أي هدف، وكان صاحب أقل عدد من الفرص المحققة في البطولة. لقد تعامل سعدان مع الإمكانات المتاحة آنذاك، وكان الخيار الطبيعي هو الدفاع بخمسة لاعبين والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة.


المغرب ليس معجزة في بطولة واحدة


من الناحية الهيكلية، يحتل المنتخب الجزائري مكانه الطبيعي في هذا المونديال. فقد وصل إلى كانساس سيتي وهو يحتل المركز الثامن والعشرين عالمياً، وأنهى مشاركته ضمن أفضل 32 منتخباً في العالم. وواجه منتخباً يحتل المركز السادس عشر في تصنيف “فيفا”، هو سويسرا، ولم ينجح في إزاحته من هذه المرتبة التي تؤهله إلى الدور ثمن النهائي. صحيح أن خيبة الأمل كبيرة، لكنها لا ينبغي أن تحجب الحقائق. فقد تحقق الإنجازات الاستثنائية أحياناً قفزة نوعية لمنتخب ما في بطولة واحدة، كما فعل المغرب في مونديال قطر. غير أن تلك القفزة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة عمل طويل وتراكمات راسخة أثمرت في الوقت المناسب، حيث تتوج الأندية المغربية بدوري أبطال إفريقيا، وتنافس منتخبات الفئات السنية على الألقاب العالمية، وتواصل منظومة التكوين هناك تصدير المواهب التي تنضم إلى كوكبة المحترفين المنحدرين من الجالية.

وفي هذا الجانب الأخير، تستطيع الجزائر مجاراة المغرب بفضل لاعبيها مزدوجي الجنسية الناشطين في أوروبا. لكن يبقى عامل التكوين المحلي، وقيمة البطولة الوطنية، لاستكمال عناصر المنظومة. وفي هذا المجال تحديداً، وهو المجال الذي يختبر أكثر من غيره جودة الحوكمة، تبدو الحصيلة أكثر تعقيداً وأشد قسوة من تقييم عمل مدرب بوسني-سويسري أعاد “الخضر” إلى الواجهة، لكنه، بتواضعه المعهود، لا يجيد الدفاع عن حصيلته في مؤتمراته الصحفية، كما كان سيفعل من دون تردد وحيد حاليلوزيتش أو جمال بلماضي.

Partager cet article