“لا يمكننا تغيير الجغرافيا”، هذه الجملة التي نقلها الوزير الأول المالي عن الرئيس عبد المجيد تبون كافية لفهم ما حدث بين الجزائر ومالي وكيف انقلبت العلاقات بين البلدين الجارين من تبادل التهم في الهيئات الأممية إلى توافق مطلق في وجهات النظر حول ضرورة العمل الموحد لمكافحة الإرهاب وضمان استقرار المنطقة.
يلخص المعارض المالي المقيم في السنغال، سامبو سيسوكو، جيدا هذه الحتمية الجغرافية، من خلال مقال نشره على صفحته في فيسبوك، تحت عنوان “من لا يتوفر على ميناء: حوض تاودني، الجزائر وحصة مالي”. وينطلق صاحب المقال من حقيقة جغرافية، تتمثل في كون مالي بلد يفتقد لواجهة بحرية لتسويق النفط في حالة اكتشافه في حوض تاودني.
الجغرافيا والبنية التحتية والسيادة
هناك ثلاث حلول لتسويق النفط المالي المحتمل، هي موريتانيا والسنغال والجزائر. لكن المنفذ الجزائري هو الأكثر جاهزية لاستقبال هذا المورد الطبيعي القادم، بالنظر لتوفر الهياكل القاعدية في الميدان منذ فترة (أنابيب الغاز، أحواض أدرار وتيميمون…). بينما المسافة الفاصلة بين المنطقة وسواحل موريتانيا والسنيغال هي آلاف الكيلومترات من الفراغ. زيادة على الحتمية الجغرافية واللوجستية، تعد الجزائر أحسن شريك لمالي، مقارنة بباقي الشركاء، كون الجزائر تمنح لباماكو هوامش التفاوض حول شروط ضمان سيادتها، عكس روسيا التي تستعد لتوقيع سلسلة من عقود الشراكة في مجال الطاقة والمناجم مع حكومة عصيمي غويتا.
“التحالف الذي نخشاه أقل احتمالاً مما يبدو عليه، وهذا لا يغيّر شيئاً من وضعنا. سواء اتفقا (الجزائر وروسيا) أم اختلفا، فإننا سنصل إلى هذه الطاولة دون شركة وطنية، ودون منفذ بديل، ودون عدّاد”، يكتب المحلل المالي، مرجحا مرة أخرى أفضلية الجزائر في السوق المالية. وأكثر من ذلك يرى سيسوكو أن حصة بلاده من هذه الطاقة المحتملة ستقتصر على ملكية الأرض، بينما الشركة المستغلة والبنية التحتية هي ملك للجزائر.
نقطة قوة أخرى يسجلها الكاتب للجزائر على حساب حكومة بلاده، تتعلق بسلطة القرار. “…على أرض المطار، وفي ترتيب الدخول إلى القاعة، وفي طريقة جلوس أعضائه وما يرتدونه، صورتان التُقطتا في اليوم نفسه، وفي القصر نفسه، تُظهرانه بوضوح نادر. من جهة، خمسة مسؤولين جزائريين مصطفّين في طراز واحد، وحلة واحدة، ونيّة واحدة. ومن الجهة الأخرى، خمسة مسؤولين ماليين وخمسة اقتراحات مختلفة، من “البازان” المطرّز إلى الجلباب الأبيض، من غطاء الرأس إلى الرأس المكشوف. المقارنة هنا ليست مسألة ذوق، بل مسألة رسالة”… وهذه الرسالة مفادها أن “الجسد المالي”، حسب سيسوكو، يقول إنّ “كل فرد كان يمثّل أولاً نفسه، ومكانته، وإقليمه، وتديّنه، وفكرته الخاصة عن المناسبة”.
حقيقة حوض تاودني
يمتد حوض تاودني، الذي يستمد تسميته من بلدة تاودني المالية، من منطقة شناشن، أقصى الجنوب الجزائري، إلى موريتانيا مرورا بالجزء الشمالي والشمال الغربي من مالي. وحسب المعطيات المتوفرة لدى الوكالة الدولية للطاقة وكذا بنك التنمية الأفريقي ومختلف المعاهد والهيئات الدولية المعنية، يمثل حوض تاودني عشر مساحة مالي، وترشحه الدراسات ليكون أكبر احتياط نفط في إفريقيا. لكن الاكتشاف الوحيد الثابت لحد الساعة على مستوى هذا الحوض يقع في موريتانيا، دون أن يبلغ مستوى التسويق.
استثمرت سوناطراك لحد الساعة، 40 مليون دولار لاستكشاف النفط في الجزء المالي، لكن هذه الاستكشافات توقفت منذ 2013 بسبب الأوضاع الأمنية في المنطقة. طلبت الحكومة المالية عام 2021 من الجزائر إعادة تفعيل نشاط الاستكشاف في المنطقة، لكن الجزائر ربطت ذلك بعودة الأمن والاستقرار لشمال مالي.
“الاتفاق الذي يحقق الأمن والاستقرار كان موجودا ونقضه الطرف المالي”، يقول سامبو سيسوكو، ويتمثل في اتفاق الجزائر بين حكومة مالي والحركات الأزوادية.



