يكفل الدستور الجزائري لعام 2020 في مواده 52 و72 و73 الحق النقابي لجميع العاملين، فيما صادقت الجزائر على الاتفاقيتين الدوليتين رقم 87 و98 لمنظمة العمل الدولية المتعلقتين بحرية التنظيم والمفاوضة الجماعية.
غير أن منظومة القوانين الفرعية الصادرة بين 2023 و2025 أحاطت هذا الحق بسياج من الاشتراطات، أهمها بلوغ نسبة 25% من العمال في القطاع لاكتساب صفة التمثيلية التي تُخوّل النقابةَ الدعوةَ إلى الإضراب أصلاً، فيما يُعدّ الإضراب خارج هذا الشرط خرقاً للقانون قد يُفضي إلى حل التنظيم النقابي.
وتكشف القضايا المسجلة في سنة 2025 وبداية 2026 عن نمط أعمق. حيث تم توظيف قانون العقوبات العام بديلاً عن قانون العمل لملاحقة النشاط النقابي، كما جرى حين أُودع الأمين العام لفيدرالية السكك الحديدية لونيس سعيدي الحبسَ بتهمة “نشر أخبار مغرضة بغرض المساس بالنظام العام” إثر توقيعه إشعاراً رسمياً بإضراب مزمع، وسجن النقابي علي معمري.
جدار التمثيلية ومقص الرقابة القضائية
في فبراير 2025، وُضع مسعود بوديبة المنسق الوطني لنقابة “كنابست” وبوبكر هابت أمينها الوطني تحت الرقابة القضائية مع إلزامهما بالتوقيع مرتين أسبوعياً في ولاية بعيدة عن مكان سكنهما وعملهما، بعد اعتقالهما على هامش وقفة احتجاجية أمام مديرية التربية.
ويُمنعان صراحةً من الإدلاء بأي تصريحات إعلامية أو المشاركة في أي نشاط نقابي، ويواجهان تهمتَي التجمهر غير المسلح والمساس بسلامة الوطن.
وفي مارس 2026، رفعت وزارة العمل بدعم وزارة التربية دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية تطالب بحل النقابة، وهو ما وصفه حزب العمال بأنه “بالغ الخطورة وغير مسبوق” في تاريخ الحركة النقابية الجزائرية.
استندت الدعوى إلى عدم المطابقة مع القانون 23-02 رغم تأكيد النقابة استيفاءها كافة الالتزامات الإجرائية، فيما لم تُحدَّد آليات تطبيق معيار التمثيلية قانونياً بعد.
أمام هذه التطورات، طرحت الأوساط الاقتصادية والاجتماعية سؤالاً جوهرياً، حول ماذا يعني أن تعمل قوة عاملة بلا نقابات مستقلة فاعلة؟ وهنا دعت لجنة الحرية النقابية في منظمة العمل الدولية بصورة منهجية إلى السماح للمنظمات المستقلة بالعمل في مناخ خالٍ من الضغوط، في انتظار التزام الحكومة بذلك.
كانت مطالب عمال السكك الحديدية التي دفع ثمنها الأمين العام السابق لنقابة السكك الحديدة ، لونيس سعيدي، مشروعة لعدم تنفيذ زيادات الأجور منذ عام 2023، تدهور ظروف العمل، عرقلة الانتخابات النقابية، والتدخل الإداري في شؤون الفيدرالية.
رغم ذلك صدر بحقه حكم بالسجن عامين نافذين وغرامة مليوني دينار. وأفادت تقارير منظمات حقوقية باعتقال عدد من نقابيي القطاع في السياق ذاته، فيما سارعت قيادة الفيدرالية الجديدة إلى إلغاء قرار الإضراب واعتبار الإشعار “باطلاً وغير ذي أثر قانوني”.
حالاتٌ كثيرة من فصل النقابيين في قطاعات النقل والتربية والصحة وغيرها، تكشف عن هوّة واسعة بين مواد الدستور والقوانين العضوية من جهة، والمعالجة الأمنية للنشاط النقابي من جهة أخرى، وهو ما انعكس على حجم المراسلات التي وجّهتها لجان منظمة العمل الدولية إلى الحكومة الجزائرية، المقرَّر مساءلتها أمامها في الثالث من جوان القادم.

