من يقف وراء «جبروت»؟ منذ ظهور هذا الاسم في الهجمات الإلكترونية التي استهدفت المغرب، ظلت هوية القراصنة غامضة بقدر غرابة عملياتهم واتساع نطاقها. غير أن التحقيقات الأخيرة بدأت تدريجياً في تغيير مركز ثقل القضية. فالفرضية الجزائرية، التي حظيت طويلاً بالاهتمام بسبب ما كان «جبروت» نفسه يعلنه، تبدو اليوم أقل صلابة بكثير. في المقابل، تقود عدة تحقيقات إلى أوروبا، وتتحدث عن فاعل واحد أو أكثر يمتلك معرفة دقيقة بهيكل الأجهزة الأمنية المغربية.
والفرضية الأحدث هي أيضاً الأكثر تحديداً، وإن كانت فرضية مشابهة قد طُرحت قبل ذلك. ففي تحقيق نشرته في 26 أوت، قالت صحيفة «لوموند»، نقلاً عن «معلوماتها»، إن التسريب الذي نُشر في 24 أوت يقف وراءه خمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، يقيمون في المنفى بأوروبا.
وتتحدث الصحيفة الفرنسية عن أربعة ضباط ومفوض شرطة قطعوا صلاتهم بأجهزتهم، ويطالبون بتغييرات على رأس المؤسسات الأمنية المغربية. ووفق الرواية نفسها، فقد عاين هؤلاء خلال مسيرتهم المهنية الاستخدام التعسفي للمعلومات الشخصية في عمليات التنصت على الاتصالات والتحريات الأمنية.
خمسة عناصر سابقين في الأجهزة المغربية
ويطالب القراصنة، بحسب الصحيفة، خصوصاً برحيل حموشي، ويهددون بنشر وثائق أخرى يقولون إنها تثبت تورط الأجهزة المغربية في موجة المغادرة الجماعية نحو سبتة يومي 30 و31 جويلية. كما يؤكدون امتلاك معلومات بشأن استخدام برنامج «بيغاسوس» للتجسس على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
من جهتها، نفت المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بشكل قاطع تعرض أنظمتهما المعلوماتية أو قواعد بياناتهما الأمنية لأي اختراق. الهوية المفترضة للمنفذين، أي عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يقيمون حالياً في أوروبا، تنسجم ظاهرياً مع المعرفة الدقيقة التي يبدو أن «جبروت» يمتلكها بشأن هياكل ومسؤولي الأجهزة الأمنية المغربية.
«ذئب منفرد» من ألمانيا
في وسائل الإعلام الإسبانية، برزت فرضية «ذئب منفرد» ينشط من ألمانيا. فبحسب «إل موندو»، خلصت شركات متخصصة في الأمن السيبراني إلى أن «جبروت» قد لا يكون مجموعة حقيقية، وإنما «ذئباً منفرداً» ينشط من أوروبا ويمتلك معرفة معمقة بالتنظيم الأمني المغربي. وكانت شركة CybelAngel الفرنسية قد درست، وفق هذه الرواية، مختلف الأسماء المستعارة المرتبطة بـ«جبروت»، وربطتها باسم مستعار هو 3N16M4، يُستخدم أيضاً على منصة GitHub. ويُقال إن صاحب هذا الحساب شارك في مسابقات للأمن السيبراني، ما أتاح للمحققين تتبع بعض آثاره الرقمية. وقادت الأبحاث إلى مهندس معلوماتية محتمل، وُصف بأنه تونسي ويقيم في ألمانيا. كما توصلت شركة Zecurion إلى استنتاج مشابه.
وفي تحقيق نشر في 28 أوت، عاد موقع اسباني اخر بدوره إلى المسار الألماني، وتحدث عن احتمال أن يكون الأمر متعلقاً بشخص واحد أو بمجموعة صغيرة تنشط من ألمانيا، مع فرضية أن يكون أحدهم عميلاً مغربياً سابقاً يمتلك معرفة من الداخل بالأجهزة الأمنية. غير أن هذه الفرضية لا تزال غير مثبتة.
وهكذا نجد صورتين مختلفتين تماماً عن جبروت : فاعل منفرد أو مجموعة صغيرة يجري تحديدها انطلاقاً من آثار رقمية، من جهة؛ وخمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من جهة أخرى، وفق مصادر لم تكشف «لوموند» هويتها. وتؤكد الصحيفة الفرنسية، في المقابل، أنه لا يمكن إثبات أن العمليات المختلفة التي أعلن «جبروت» مسؤوليته عنها نفذها الأشخاص أنفسهم.
ماذا عن الفرضية الجزائرية؟
تبدو الفرضيات المختلفة التي ظهرت في وسائل الإعلام وكأنها تدفع بالمسار الجزائري إلى الهامش. فقد طُرحت هذه الفرضية بقوة في البداية لأن القراصنة كانوا يستخدمون توقيع « جبروت DZ» ويقدمون أنفسهم باعتبارهم «وطنيين جزائريين». لكن «DZ» اختفت لاحقاً، ولم يبق سوى اسم «جبروت». وقد ساهم هذا التقديم بطبيعة الحال في تكريس قراءة جيوسياسية بسيطة، إن لم تكن تبسيطية: ففي سياق المواجهة بين الجزائر والرباط، كان من الممكن النظر إلى «جبروت» باعتباره أداة في الحرب السيبرانية بين البلدين. غير أن هذه الفرضية الجزائرية، التي لا تزال بعض وسائل الإعلام المؤيدة للمغرب تواصل طرحها، أصبحت اليوم ضعيفة للغاية. وفي المقابل، تبدو فرضية وجود انشقاق فردي أو جماعي من داخل الأجهزة الأمنية المغربية أكثر ترجيحاً.
سابقة انشقاق داخل الأجهزة
تجد فرضية وقوف عناصر سابقين في الأجهزة المغربية وراء «جبروت» سابقة لها في التاريخ الحديث للمؤسسة الأمنية في المملكة. فقد أظهر مسار مهدي حجاوي، المسؤول السابق في المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، وجود توترات وانقطاعات يمكن أن تحدث داخل الأجهزة المغربية. كما يبين مساره أن مسؤولاً سابقاً في جهاز استخبارات يمكنه مواصلة صراعه مع جزء من المؤسسة من خارج البلاد. ولا توجد، في الوقت الحالي، أي معطيات تسمح بإقامة صلة بين حجاوي و«جبروت». لكن يبقى أن «DZ»، التي وضعت الجزائر في قلب القضية منذ البداية، أصبحت، مع توالي المعطيات، الحلقة الأقل استناداً إلى الأدلة في هذه الرواية.


