عاد ملف التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا إلى الواجهة، بعد زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانا إلى الجزائر العاصمة، حاملاً معه أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية بين البلدين، والمتعلق بشبكة الجريمة المنظمة المعروفة باسم “مفيا دي زاد”.
وخلال لقائه بوزير العدل لطفي بوجمعة ، أعلن الطرفان استئناف التعاون القضائي الثنائي بعد فترة جمود استمرت قرابة عامين، وسط تصاعد المخاوف الفرنسية من توسع نشاط الشبكة الإجرامية التي تنشط أساساً في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا.
وتأتي هذه التحركات عقب عملية أمنية واسعة نفذتها قوات الدرك الفرنسية في مارس 2026 تحت اسم “الأخطبوط”، شارك فيها أكثر من ألف عنصر أمني بمنطقة بروفانس-ألب-كوت دازور، وأسفرت عن توقيف 42 شخصاً يشتبه في انتمائهم إلى الشبكة أو ارتباطهم بها. كما أُحيل ثلاثة من أبرز قيادات التنظيم إلى المحاكمة أمام محكمة إيكس أون بروفانس خلال شهر أبريل الماضي.
وقال دارمانان عقب الاجتماع إن المحادثات تناولت “ملفات الجريمة المنظمة، وعلى رأسها قضيةدي زاد مافيا، إلى جانب قضايا الممتلكات غير المشروعة وبعض الملفات الفردية الحساسة”، في إشارة إلى رغبة باريس في إعادة تفعيل قنوات التنسيق القضائي مع الجزائر.
تجارة الكوكايين وتجنيد القصر
وتعتبر السلطات الفرنسية أن الشبكة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر التنظيمات الإجرامية المرتبطة بتجارة المخدرات في جنوب فرنسا، خصوصاً في مرسيليا، حيث تدير عمليات واسعة لترويج الكوكايين وتصفية الحسابات بين العصابات.
وتشير التحقيقات إلى أن الشبكة تعتمد على تجنيد قاصرين ومراهقين لتنفيذ عمليات عنف واغتيال مقابل مبالغ مالية محدودة، في نموذج مختلف عن المافيا التقليدية المعروفة في أوروبا.
ومن بين أبرز الأسماء المرتبطة بالشبكة الشقيقان مهدي ولامين لعريبي، اللذان يُقدمان باعتبارهما من مؤسسي التنظيم، إضافة إلى أمين عوالان المعروف بلقب “مامين”، ومهدي زردوم الملقب بـ”سكار فايس”، الذي صدر بحقه حكم بالسجن 30 سنة في ماي 2025 على خلفية عدة قضايا مرتبطة بالعصابة.
كما تمكنت السلطات الإسبانية، في أبريل 2026، من توقيف أحد أبرز الفارين المرتبطين بالشبكة بعد اختفائه لنحو عامين، وكان قد صدر بحقه حكم غيابي بالسجن 25 سنة.
وفي المقابل، لا يبدو أن الجزائر مستعدة للتعامل مع الملف من زاوية أحادية، إذ تواصل المطالبة باسترداد عدد من المطلوبين المقيمين أو ممتلكاتهم في فرنسا، من بينهم القائد السابق للدرك الوطنيالغالي بلقصير، ووزير الصناعة الأسبق عبدالسلام بوشوراب، فضلاً عن ناشطين صدرت بحق بعضهم أحكام مرتبطة بقضايا إرهاب.
وبحسب مذكرة أمنية فرنسية، فإن السلطات القضائية في باريس تعتقد أن 124 مطلوباً للعدالة الفرنسية يوجدون داخل الجزائر، ما يجعلها ثاني وجهة للفارين بعد المغرب، الذي تشير التقديرات إلى وجود 218 مطلوباً داخله.
ويأتي استئناف التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا في سياق محاولة احتواء التوتر السياسي والدبلوماسي الذي طبع العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024، وتفاقم بعد أزمة الطرد المتبادل للدبلوماسيين في أبريل 2025، وهي الأزمة التي انعكست مباشرة على ملفات التعاون الأمني والقضائي.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي حملتها زيارة دارمانان، إلا أن تعقيدات الملفات السياسية والقضائية العالقة تجعل من إعادة بناء الثقة بين الجزائر وباريس مساراً طويلاً ومعقداً، خصوصاً مع تداخل ملفات الجريمة المنظمة بقضايا التسليم والتعاون الأمني والسيادة القضائية بين البلدين.

