أحكمت الجزائر قبضتها على أحد أثمن ثرواتها الباطنية، حين أصدر الرئيس عبدالمجيد تبون توجيهات صريحة خلال مجلس الوزراء المنعقد أمس بمنح شركة فرتيال الجزائرية الحكومية حق الاستغلال الحصري لخام الفوسفات المركّز في منجم بلاد الهدبة بولاية تبسة شرقي البلاد، في قرار يُسدل الستار على أي نقاش حول خوصصة هذا الملف أو فتحه أمام شراكات أجنبية في المدى المنظور.
يكتسب القرار أهمية استثنائية في ضوء السجال الذي أثاره قانون المناجم المُصادق عليه منتصف 2025، والذي أثار موجة واسعة من الاعتراضات داخل البرلمان بسبب بنود تُجيز للمستثمرين الأجانب الاستحواذ على ما يصل إلى 80% من المشاريع المنجمية، في مقابل سقف 20% لا يتجاوزه الشريك الجزائري. وقد جاء التوجيه الرئاسي ليُفرز مساراً مغايراً يضع منجم الهدبة خارج دائرة هذا النص تماماً، مُعيداً تأكيد مبدأ السيادة الوطنية على الثروات الاستراتيجية.
الجزائر تضّخ ثلاثة مليار دولار
ما يُضاف للمشهد أن الجزائر ضخّت في هذا المنجم ما يُقدَّر بثلاثة مليارات دولار منذ انطلاق أشغال التهيئة في ديسمبر 2021، ليُصبح واحداً من أضخم الاستثمارات الصناعية في تاريخ البلاد خارج قطاع المحروقات. وتبلغ طاقته الإنتاجية في مرحلتها الأولى 5.4 ملايين طن من الأسمدة سنوياً، مع مسار تصاعدي يستهدف الوصول إلى 10 ملايين طن بأصناف متعددة تشمل التغذية الحيوانية والنباتية.
الاستغلال الفعلي موعده مارس 2027، لكن الأوراش الممهِّدة له تسير بأقصى الطاقة: خط سكة حديدية يمتد من بلاد الهدبة عبر وادي الكبريت وصولاً إلى ميناء عنابة، حيث يجري تشييد رصيف منجمي مخصص ضمن مشروع توسعة الميناء. وقد طالب تبون وزارة الأشغال العمومية بـ”استنفار أقصى الإمكانات” لضمان التزام جدول أعمال الإنتاج، مشيراً إلى أن هذه المشاريع ستُسهم في “نقل الجزائر إلى عهد جديد بلداً ناشئاً باقتصاد متنوع”.
على صعيد الأثر الاجتماعي، تضع التقديرات الرسمية الطاقة التشغيلية للمشروع عند 12 ألف فرصة عمل خلال مرحلة الإنجاز، تليها 6 آلاف وظيفة مباشرة و24 ألف وظيفة غير مباشرة في طور الاستغلال، ليبلغ المجموع الإجمالي 42 ألف وظيفة، في منطقة تُعاني تاريخياً من هشاشة اقتصادية. ويُوجَّه الإنتاج في مرحلته الأولى لإشباع الطلب المحلي على الأسمدة، قبل أن تتوجه الفوائض نحو الأسواق الدولية في مرحلة تالية، في مسار يُراهن على تحويل الجزائر لاعباً وازناً في سوق الأسمدة العالمية.

