قد يبدو الإعلان عن هذه العملية للوهلة الأولى مجرد تدخل أمني روتيني. فقد تمكنت نهاية هذا الأسبوع كل من الحرس المدني الإسباني والشرطة الوطنية الإسبانية ووكالة “يوروبول” من تفكيك شبكة لتهريب المهاجرين تنشط بين الجزائر وإسبانيا، مع توقيف تسعة أشخاص.
تكريس بنية مستدامة للظاهرة
وأفاد المحققون بأن هذه المنظمة الإجرامية كانت تدير مختلف حلقات السلسلة اللوجستية، بدءاً من استقطاب الراغبين في الهجرة، مروراً بتنظيم الرحلة البحرية، وصولاً إلى استقبال المهاجرين بعد وصولهم إلى الأراضي الإسبانية. غير أن أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في عدد الموقوفين، بل أيضاً في المؤشرات العامة المرتبطة بها، والتي تسمح بفهم الظاهرة ضمن إطار أوسع.
مسار غرب البحر المتوسط تحت ضغط متزايد
بحسب معطيات نشرها موقع “لامونكلوا” الإخباري استناداً إلى معلومات منسوبة إلى “يوروبول”، سُجّلت خلال عام 2025 نحو 30 ألف عملية عبور على طول مسار غرب البحر المتوسط، بزيادة تجاوزت 12 في المائة مقارنة بالعام السابق. ويشمل هذا المسار عدة طرق للهجرة نحو إسبانيا، من بينها الانطلاق من الجزائر والمغرب، إضافة إلى المسارات الأطلسية المؤدية إلى جزر الكناري. وضمن هذا المشهد العام، يواصل المسار الجزائري تعزيز مكانته، من دون أن يشكل المكوّن الوحيد لهذه الحركة. وفي الوقت نفسه، كثّفت السلطات الإسبانية إجراءاتها الأمنية.
ووفقاً للمعلومات نفسها التي نقلها موقع “لامونكلوا”، نفذت قوات الأمن أكثر من 600 عملية توقيف مرتبطة بتهريب المهاجرين خلال عام 2025، كما فككت أكثر من 40 شبكة إجرامية.
وبشكل إجمالي، جرى تحييد 45 تنظيماً إجرامياً خلال الفترة نفسها. وتُظهر هذه الأرقام مجتمعة وجود منظومة مهيكلة تتعامل مع الخسائر البشرية والمادية والعملياتية باعتبارها جزءاً عادياً من المخاطر، وتدمجها ضمن آليات عملها، بينما تواصل إعادة تشكيل نفسها بعد كل عملية أمنية.
المسار الجزائري: محور يواصل ترسيخ مكانته
وفي هذا السياق الإقليمي، فرض المسار الرابط بين السواحل الجزائرية وسواحل الأندلس ومرسية وأليكانتي الإسبانية، إضافة إلى جزر البليار، نفسه تدريجياً كأحد أهم محاور العبور في غرب البحر المتوسط. وتتحدث تقديرات مستندة إلى مصادر أمنية إسبانية عن نحو 14 ألف مغادرة من السواحل الجزائرية خلال عام 2025.
ومن بين هؤلاء يوجد ما يقارب 9500 مواطن جزائري، إضافة إلى مهاجرون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء عبروا الأراضي الجزائرية قبل التوجه نحو أوروبا. ويؤكد هذا الواقع حدوث تحول هيكلي في طبيعة الظاهرة، إذ باتت الجزائر تظهر في الوقت نفسه كبلد انطلاق وكفضاء عبور ضمن المسارات المؤدية إلى أوروبا.
ويُسهم عامل آخر في ترسيخ هذه التدفقات، يتمثل في محدودية فعالية عمليات الإعادة القسرية. فبحسب بيانات أوردتها الصحافة الإسبانية، لم يُرحَّل فعلياً من إسبانيا خلال عام 2025 سوى بضع عشرات من المواطنين الجزائريين. وفي ظل هذه المعطيات، أصبح كثيرون ينظرون إلى العبور باعتباره هجرة ذات احتمال مرتفع لعدم العودة، رغم المخاطر الكبيرة التي تتهدد المهاجرين في البحر.
وتزيد هذه القناعة من جاذبية المسار، كما تسهم في استدامة الطلب على خدمات شبكات التهريب.
ويفسر التفاعل بين الضغط الهجروي، وتنظيم شبكات التهريب، وضعف آليات الإعادة، ترسخ هذا النظام تدريجياً.
ومن هذا المنظور، لا يبدو توقيف الأشخاص التسعة المعلن عنه نهاية هذا الأسبوع حدثاً معزولاً، بقدر ما يمثل حلقة جديدة في مسار تشكّل سوق للهجرة غير النظامية أصبحت راسخة بين الجزائر وإسبانيا، ضمن فضاء أوسع يشمل كامل منطقة غرب البحر المتوسط.
ويُذكر أن عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أو فُقدوا خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة بلغ 1317 شخصاً، من بينهم 507 على المسار الجزائري، وفقاً لمعطيات منظمة “كاميناندو فرونتيراس“.


