في لقائه الدوري مع الصحافة الوطنية، أطلق الرئيس عبد المجيد تبون جملة لافتة خرجت عن حذر الخطاب الرسمي المعتاد: “تهنّيت من عصابة كانت تُضخّم الفواتير، فوقعت في عصابة أخرى تقوم بالتقليص المتعمد في الفواتير “. عبارة قصيرة لكنها حملت اعترافاً اقتصادياً ثقيل الدلالة، تشير إلى منظومة الفوترة في الجزائر التي تعاني من طرفَي نقيض في آنٍ واحد، وكلاهما يستنزف المال العام ويُضيّق الوعاء الضريبي.
من التضخيم إلى التقليص المتعمد في الفواتير
سبق لتبون أن كشف في حوار مع ممثلي وسائل الإعلام المحلية أن نسبة تضخيم الفواتير تجاوزت 30% خلال الفترة الممتدة من 2009 إلى 2019، وأن قيمة تضخيم الفواتير من عام 2020 حتى الآن تقدر بأقل من 400 مليون دولار، في تراجع يعكس أثر الرقابة الجمركية المشددة. غير أن الانتقال من التضخيم إلى التخفيف — أي الفوترة بأقل من القيمة الحقيقية للاستثمار والاستيراد — يكشف أن الهدف لم يتغيّر، وإنما تغيّرت الأداة: في الحالة الأولى يُهرَّب الفارق إلى الخارج، وفي الثانية يختفي الدخل الحقيقي من سجلات الضرائب.
ملفات الفساد: أرقام تتحدث عن نفسها
وقدّر اقتصاديون حجم الأموال المنهوبة في عهد بوتفليقة بما يناهز 200 مليار دولار، وكشفوا أن تهريبها تمّ عبر طريقتين رئيسيتين: تضخيم الفواتير الذي أقرّ به وزير التجارة الراحل بلعايب بنسبة 30% من قيمة الواردات، والمشاريع الوهمية عبر اقتناء سلع غير مطابقة للتصريح الجمركي.
رجال الأعمال الموقوفون في سجن الحراش وغيره ، واجهوا تهماً تشمل تهريب رؤوس أموال إلى الخارج وتبييض الأموال، وإبرام صفقات عمومية دون الوفاء بالالتزامات التعاقدية، وتضخيم الفواتير، واستيراد عتاد مستعمل، والحصول على قروض بنكية ضخمة. ومن بين المتهمين عائلة كونيناف التي تملك 45 شركة اعتبرها القضاء أغلبها وهمية، بثروة تقدر بنحو 800 مليون دولار.
على صعيد مصانع السيارات، صادرت الدولة أكثر من 40 مؤسسة كانت مصانع لتركيب السيارات مملوكة لرجال أعمال أدينوا في قضايا فساد ونهب للمال العام، وأُلحقت بشركة عامة لإنتاج المركبات وتجميعها.
الملاحقة الدولية: 33 دولة والملف لا يُغلق
صرّح الرئيس تبون بوجود أموال ضخمة جرى تهريبها على مدار 10 إلى 12 سنة، موزعة بين حسابات مصرفية وعقارات واستثمارات في سويسرا ولوكسمبورغ وعدد من الملاذات الضريبية، وقدّر قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار. وعلى صعيد الاسترجاع، استعادت الجزائر ما يقارب 30 مليار دولار، بينها 58 عقاراً في فرنسا وحدها في أرقى أحياء باريس، إضافة إلى 110 ملايين دولار كانت مجمدة في بنوك سويسرا.
الفاتورة المنقوصة: الوجه الجديد للتهرب
ما يُضيفه تصريح تبون الأخير إلى هذه الصورة هو الإقرار بأن منظومة الفوترة لا تزال تعمل خارج الشفافية، لكن بمنطق معكوس، بدلاً من تضخيم الفاتورة لتهريب الفارق، يجري تخفيضها لإخفاء الدخل الحقيقي وتقليص الوعاء الضريبي.
وهو ما يتقاطع مباشرة مع ما رصده الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين من أن حجم التهرب الضريبي السنوي يبلغ 200 مليار دينار، وأن أكثر من 60% من التجارة تجري عبر السوق الموازية التي يتخطى رقم أعمالها 10 مليارات دولار، ومعظمها بلا فوترة ولا تعاملات بنكية.
الرهان السياسي: هل تكفي التسوية الطوعية؟
يأتي هذا التصريح الرئاسي في سياق مباشر يربطه بمساعي إصلاح جبائي جارية: فقانون المالية 2026 يُقدّم تسوية جبائية طوعية بنسبة 8% وتجميد الرقابة، في رهان على أن يخرج المتهرّبون من الظلّ طوعاً. غير أن الجملة التي أطلقها تبون تحمل ضمنياً اعترافاً بأن ثقافة الفاتورة المُزوَّرة — تضخيماً أو تخفيضاً — تعكس أزمة بنيوية في علاقة المؤسسة الاقتصادية بالدولة، لا يعالجها إجراء استثنائي مهما بلغت سخاؤه، بل تحتاج إلى إعادة بناء الثقة من الجذور.

