غير أن المعطيات الإحصائية الممتدة على مدى عقدين تروي قصة مختلفة، تناقض ما قد يبدو بديهياً. فعلى امتداد عشرين عاماً، شهدت السلامة المرورية في الجزائر تحسناً ملموساً. إلا أن التأثر الجماعي الذي تخلفه الحوادث المميتة ذات الضحايا الكثر يحجب حقيقة أساسية، وهي أن مخاطر الوفاة الفردية على الطرق تراجعت بشكل واضح مقارنة بالمستويات القياسية المأساوية المسجلة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. غير أن هذا المسار الإيجابي بدأ ينعكس منذ عام 2022.
تضاعف حظيرة المركبات… وتراجع المخاطر الفردية إلى النصف
تؤكد الأرقام المجردة هذا التناقض. ففي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت الجزائر تضم نحو 3.5 مليون مركبة، مقابل حصيلة سنوية تقارب 4500 وفاة وأكثر من 60 ألف جريح. وبعد عشرين عاماً، تجاوز عدد المركبات 7.5 مليون، في حين تراجع عدد حوادث المرور الجسمانية بنحو الثلث، وانخفض عدد الوفيات إلى أقل من 3800 قتيل سنوياً. وعند احتساب هذه الأرقام قياساً إلى حجم حظيرة المركبات، يتبين أن معدل الوفيات الناجمة عن حوادث المرور قد انخفض بأكثر من النصف. ويفسَّر هذا التحسن بعاملين هيكليين رئيسيين: التوسع الكبير في شبكة الطرق السيارة، بما خفف الضغط عن الطرق الوطنية، والتجديد التدريجي لحظيرة السيارات المستوردة خلال العقد الثاني من الألفية.
منعطف 2022… نهاية ديناميكية إيجابية
بلغ هذا المسار ذروته سنة 2020، عندما أدت إجراءات الحجر الصحي والقيود المرتبطة بجائحة كوفيد-19 إلى تسجيل أدنى حصيلة تاريخية بلغت 2844 وفاة. لكن التعافي الاقتصادي الذي أعقب الأزمة الصحية لم يرسخ هذه المكاسب، بل قلب الاتجاه. فمنذ عام 2022، عادت الوفيات إلى الارتفاع: أكثر من 3400 قتيل سنة 2023، وما يزيد على 3700 سنة 2024، ثم 3838 قتيلاً سنة 2025، وفقاً للمندوبية الوطنية للأمن في الطرق (DNSR). وخلال ثلاث سنوات فقط، تبدد جانب كبير من المكاسب التي تحققت على مدى عقد تقريباً. والمؤشر واضح: لقد استنفدت أدوات الضبط التقليدية نجاعتها، بعدما تجاوزتها كثافة حركة المرور وتقادم حظيرة المركبات.

معايير دولية لا تزال بعيدة المنال
تظل الجزائر في مرتبة متوسطة على المستويين الأفريقي والشرق أوسطي، غير أن أداءها يبقى متواضعاً مقارنة بالمعايير الدولية للصحة العامة. فبمعدل يقارب عشر وفيات يومياً، وما بين 8 و8.5 قتيل لكل 100 ألف نسمة، لا تزال البلاد بعيدة عن المتوسط الأوروبي الذي يقل عن خمسة قتلى لكل 100 ألف نسمة. ومن جهتها، لم تعد منظمة الصحة العالمية تقبل بـ«الركود عند مستويات مرتفعة»، إذ توصي بخفض وفيات حوادث المرور بنسبة 50% في كل عقد. وبالنظر إلى الاستثمارات العمومية الضخمة التي وُجهت إلى البنى التحتية خلال العقدين الماضيين، فإن استمرار عدد الوفيات عند مستوى يقارب أربعة آلاف سنوياً يثير تساؤلات جدية حول مردودية هذه الاستثمارات في تحسين السلامة المرورية.
مأزق المقاربة الردعية وعمى التشخيص
في مواجهة هذا الارتفاع المتجدد، لا تزال السلطات العمومية تجد صعوبة في تجاوز المقاربة التقليدية. فوزارة النقل لم تقدم بعد تشخيصاً علمياً شاملاً لمنظومة التنقل، ولا تزال الحصائل الرسمية تعزو 96% من أسباب الحوادث إلى «العامل البشري». ويقود هذا التشخيص، بصورة شبه تلقائية، إلى تشديد الإجراءات الزجرية عبر قانون مرور جديد وتغليظ العقوبات.
ولا شك أن سلوك القيادة يظل محل انتقادات واسعة، يضاف إليها في السنوات الأخيرة التوسع السريع في استعمال المركبات ذات العجلتين، سواء الدراجات النارية أو الهوائية. غير أن هذا التفسير يغفل عوامل أخرى لا تقل أهمية، يثيرها مستعملو الطرق باستمرار، من بينها جمود سوق السيارات الجديدة، والنقص الحاد في الإطارات، وانتشار قطع الغيار المقلدة، وتدهور أجزاء واسعة من شبكة الطرق الثانوية.
ومن دون مقاربة شاملة تجمع بين تحسين تكوين مستعملي الطرق، ولا سيما السائقين المهنيين، وصيانة الشبكات، وضمان جودة التجهيزات، فإن المقاربة الردعية القائمة على العقاب وحده لن تكون كافية، على الأرجح، لوقف التدهور الذي تشهده السلامة المرورية في الجزائر منذ عام 2022.


