أصدرت محكمة الجنح بالدار البيضاء لدى مجلس قضاء الجزائر العاصمة، أمس، أحكامها في واحدة من أبرز قضايا التهريب المنظم ، والمتعلقة بشبكة لتهريب الذهب عبر مطار هواري بومدين الدولي باتجاه تركيا. وتراوحت العقوبات الصادرة بحق المتورطين الاثني عشر بين سنتين وعشر سنوات سجنًا نافذًا، مع غرامات مالية بلغت في أقصاها خمسة ملايين دينار جزائري، فيما تمت تبرئة ثلاثة من المتهمين.
أحكام متفاوتة بحسب حجم الأدوار
طالت العقوبة القصوى، المقدّرة بعشر سنوات سجنًا نافذًا وغرامة قدرها خمسة ملايين دينار، ثلاثة أشخاص، شرطيَّين كانا يعملان داخل المطار برتبتي عريف وعون، إضافة إلى متهم ثالث اعتُبر المنسق الفعلي للشبكة. أما بقية المتهمين، ومعظمهم من الصاغة الناشطين في ولاية البليدة، فقد تدرّجت أحكامهم بين ثماني سنوات وغرامة مليوني دينار لثلاثة منهم، وخمس سنوات وغرامة مليون دينار لاثنين آخرين، فيما اكتفت المحكمة بسنتين سجنًا وغرامة 500 ألف دينار في حق أخف الأدوار إدانة. وألزمت المحكمة المدانين بدفع مليون دينار بالتضامن لفائدة الخزينة العمومية، التي قُبل ادعاؤها المدني في القضية.
دور نافذ داخل المطار واستغلال لصلة القرابة
كشفت وقائع الملف أن العلاقة العائلية بين اثنين من أبرز المدانين شكّلت الركيزة الأساسية للشبكة: فالشرطي هو ابن شقيق أحد المتهمين الرئيسيين، الذي كان يموّل عمليات شراء الذهب المستعمل، قبل أن يعيد صهره في ورشته بالبليدة وتهريبه إلى إسطنبول، على أن تُقتسم عائدات بيع المصوغات بينهما. وقد استُغلّت الصفة الوظيفية للشرطي داخل الحرم المطاري لتمرير الشحنات دون رقابة، إذ تمكّن أحد أفراد الشبكة، خلال إحدى رحلاته برفقة زوجته، من نقل نحو ستة كيلوغرامات من سبائك الذهب مخبأة في حذائه وفي حزام طبي، دون أن يخضع لأي تفتيش.
واقعة الضبط التي فجّرت الملف
تعود بداية القضية إلى 19 فبراير 2025، حين أوقفت مصالح الأمن أحد تجار المجوهرات من البليدة قبيل صعوده إلى متن رحلة جوية تابعة لشركة نقل تركية متجهة إلى إسطنبول. وأسفر التفتيش الجسدي عن ضبط أربع عشرة سبيكة ذهبية خالية من أي ختم رسمي، موزّعة بعناية بين الحذاء والملابس الداخلية وحزام مطاطي مثبت حول الخصر، إلى جانب مبالغ مالية غير مصرّح بها تجاوزت عشرة آلاف يورو، مرفقة بعملات تركية وبريطانية ومصرية وسعودية وإماراتية. واعترف الموقوف بأنه أعدّ العملية بدقة، وأن رحلات مماثلة سبقتها.
آلية التهريب: من البليدة إلى إسطنبول وعودة عبر تونس وليبيا
أظهرت التحقيقات وجود مسار لوجستي متكامل يربط الجزائر بتركيا ذهابًا وإيابًا، تُهرَّب السبائك أولًا إلى ورشات صياغة في إسطنبول، بعضها مملوك لمشغّلين أتراك، حيث تُعاد صياغتها على شكل مصوغات جاهزة للبيع، قبل أن تُدخل مجددًا إلى الجزائر خارج أي رقابة جمركية، عبر الحدود التونسية والليبية.
ومن هناك، كانت وسائط غير محددة الهوية تتولى نقل الطرود بالدراجات النارية إلى حي باب الوادي، حيث يستلمها التجار المعنيون. ورجّحت التحقيقات أن وتيرة الرحلات الجوية بين الجزائر واسطنبول ساهمت في تسهيل انتظام هذا التدفق، في وقت سبق أن ارتبط فيه المحور ذاته بقضية تهريب مؤثرات عقلية من تركيا.
البعد الاقتصادي: نزيف للعملة الصعبة وتحايل على الرقابة
تتجاوز هذه القضية إطار جريمة تهريب تقليدية لتكشف عن نمط جريمة اقتصادية منظمة عابرة للحدود، يقوم على ثلاثة محاور متكاملة، استقطاب الذهب المستعمل من السوق المحلية، وتصديره خارج القنوات الرسمية بما يحرم الخزينة العمومية من الرسوم والضرائب المستحقة، ثم إعادة استيراد المنتج المصنّع لبيعه داخل السوق الموازية.
وبحسب اعترافات المتهم الرئيسي، فإن العمولات المحصّلة عن عمليات النقل بلغت عشرات الملايين من السنتيمات لكل شحنة، إذ حصل على أربعين مليون سنتيم مقابل نقل كيلوغرامين لصالح أحد الزملاء، وثلاثين مليونًا عن دفعة وزنها 1300 غرام، وخمسة وثلاثين مليونًا عن شحنة ثالثة، فيما ورد ذكر متعاملين آخرين بكميات تراوحت بين بضع مئات من الغرامات وثلاثة كيلوغرامات.
هذا النمط من التهريب يطرح إشكالية مزدوجة على المستوى الاقتصادي، من جهة، تسرب رأسمال حقيقي (الذهب والعملة الصعبة) خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، ومن جهة أخرى، استغلال موقع وظيفي حساس داخل منشأة استراتيجية كالمطار لتحييد أدوات الرقابة الجمركية والأمنية. ويُعدّ استغلال شرطيَّين عاملين داخل المطار مؤشرًا على خطورة التنظيم الإجرامي.
بإصدار هذه الأحكام، تكون العدالة الجزائرية قد وضعت حدًا قضائيًا لشبكة نشطت لأشهر، غير أن أبعاد القضية الاقتصادية تتجاوز العقوبات الفردية لتطرح تساؤلات أوسع حول آليات حماية احتياطي الذهب والعملة الصعبة من التسرب عبر المنافذ الحدودية، وحول متانة الرقابة على الموظفين العاملين في مواقع حساسة كالمطارات الدولية، في حين تشير مصادر إعلامية عديدة إلى أن الخطوط الجوية التركية عبر مطارات الغرب الجزائري إنطلاقا من رحلات داخلية من الجنوب الجزائري تخفي أسرار شبكات إجرامية أخطر لتهريب الذهب الجزائري نحو إسطنبول.


