قيس سعيّد، حليف الجزائر، أمام صعوبات كبيرة

في 21 ماي 2026، خرجت وزارة الدفاع الوطني التونسية عن تحفّظها التاريخي ببيان حمل نبرة حازمة غير معهودة. ومن خلال إعادة تأكيدها على «الحياد التام» للمؤسسة العسكرية وتنديدها بمحاولات جرّها إلى «المزايدات السياسية»، أحدثت "الصامتة الكبرى" موجة ارتدادية داخل تونس، وفي أروقة البعثات الدبلوماسية ووسائل الإعلام الدولية. هذا النص المقتضب، البعيد كل البعد عن كونه مجرد تذكير بروتوكولي بالنظام، فُسِّر في تونس العاصمة على أنه يحمل إشارة مزدوجة.

5 min de lecture
قيس سعيد- بعد مرور خمس سنوات، تبدو الحصيلة مريرة ولا تقبل الجدل: هناك سلطوية بلا رخاء

من جهة، يمثل البيان رفضاً قاطعاً ولاذعاً لـفصيل من المعارضة الديمقراطية التي ما فتئت تطالب الجيش، عبر تلميحات ملحّة، بعزل قيس سعيد لإعادة النظام الدستوري. ومن جهة أخرى، يوجه تحذيراً مبطناً ولكنه واضح لقصر قرطاج الرئاسي: فالجيش يرفض ربط صورته – وهي الصورة الأكثر إجماعاً وحظوة بالقبول في البلاد – بالانحراف السلطوي والمأزق الاقتصادي الحالي.


الجيش في مواجهة شبح الانفجار الاجتماعي

يسلط هذا الإنذار الضوء على الاستياء المتنامي داخل مؤسسة عسكرية شهد دورها تحولاً عميقاً خلال العقد ونصف العقد الماضي. فبعد أن حظي الجيش بإشادة واسعة عام 2011 لرفضه إطلاق النار على الشعب في مواجهة بن علي، فرض نفسه كدرع للانتقال الديمقراطي، ثم كرأس حربة في مكافحة الإرهاب.

ورغم ذلك، وجد الجيش نفسه في 25 جويلية 2021 عالقاً في فخ سياسي عندما نفذ أوامر قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان بعد تعليقه المفاجئ من قبل الرئيس التونسي.


واليوم، تراقب القيادة العامة بقلق الاستغلال المتزايد للقضاء العسكري لمحاكمة المدنيين؛ إذ تشكل الأحكام الصادرة عن محاكم استثنائية ضد شخصيات مثل المحامي عياشي الهمامي أو الصحفي صلاح عطية تجسيداً جلياً لهذا المنزلق الحرج. وفي ظل أفق قاتم يتسم بغياب تام للحوار السياسي وبوادر انفجار غضب شعبي عارم، يحاول الجيش التراجع خطوة إلى الوراء لحماية نفسه، ممتنعاً عن تحمل تبعات الفوضى الاجتماعية الآخذة في التفاقم، واضعاً نصب عينيه ذكرى أحداث ديسمبر 2010 التي فجرت “ثورة الياسمين”.


الميثاق المكسور: السلطوية بلا رخاء

لفهم هذا التفكك، لا بد من العودة إلى نشأة مشروع قيس سعيد. فقد ارتكزت خطوته الحاسمة عام 2021 على “صفقة ضمنية” عُرضت على الشعب التونسي: التنازل عن الحريات التي اعتبرت عقيمة خلال عقد ما بعد الثورة، مقابل وعود بالأمن، ومحاربة الفساد، واستعادة النمو الاقتصادي.

وبعد مرور خمس سنوات، تبدو الحصيلة مريرة ولا تقبل الجدل؛ فبينما ضربت آلة القمع بشكل منهجي كل القوى الحية في البلاد – بدءاً من اعتقال أحمد نجيب الشابي وراشد الغنوشي، وصولاً إلى تدجين الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان – غاب الشق الاقتصادي من الميثاق تماماً.

لقد تقوقعت السلطة في خطاب وطني مفرط، وعجزت عن إيجاد بديل لرفضها الإصلاحات الهيكلية لصندوق النقد الدولي، مما أغرق البلاد في حالة من الاختناق المالي. وجاءت الصدمة التضخمية الأخيرة الناجمة عن الحرب ضد إيران لتزيد الطين بلة وتُضاف إلى النقص المزمن في المواد الأساسية.


محركات اقتصادية معطلة وروافد غير كافية


يتجلى الفشل الاقتصادي لقرطاج بشكل صارخ في المؤشرات الاقتصادية الكلية. فقد توقف نمو الناتج المحلي الإجمالي التونسي عند مستوى منخفض بلغ 1.6% في المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، في حين ظل التضخم الهيكلي بشكل دائم فوق عتبة 8%. وفي تونس العاصمة، أصبح غلاء المعيشة الموضوع الرئيسي للنقاش.

في الوقت نفسه، عجزت البلاد عن استقطاب عمليات نقل الصناعات الأوروبية الموعودة (التوطين القريب) في أعقاب أزمة الخدمات اللوجستية التي سببتها جائحة كوفيد-19، ما أدى إلى تخلفها عن منافسة المغرب. وأدّى مناخ عدم الثقة في القضاء وخنق الائتمان المصرفي – حيث تستنزف الدولة السيولة النقدية لدفع رواتب موظفيها – إلى تثبيط الاستثمارات الأجنبية المباشرة (IDE) وشلّ قطاع المقاولات الفرعية.

وهذا التراجع لا يمكن تعويضه عبر الديناميكية المتجددة للسوق الليبية في المنطقة الغربية (طرابلس) – والتي غدت الرئة التجارية الرئيسية للبلاد – ولا عبر المراهنة الرئاسية على قطاع الفوسفات في قفصة وقابس، وهي صناعة تعوقها بشدة آليات لوجستية متهالكة.


المظلة الجزائرية أمام محك الواقع

في ظل عزلته الدولية، وجد قيس سعيد في الجزائر حاميه الأكثر وفاءً. فبالنسبة للرئيس عبد المجيد تبون، تشكل تونس خطاً أحمر جيوسياسياً يجب العمل على استقراره بأي ثمن. ولم تتردد الجزائر في رفع نبرتها ضد مساعي دولة الإمارات العربية المتحدة لجر تونس إلى مستنقع “اتفاقيات أبراهام”.

ومع ذلك، فإن هذا التضامن الأمني المطلق يصطدم بحقائق اقتصادية حسابية صلبة. لئن كانت الجزائر تزود تونس تاريخياً بالغاز الطبيعي بأسعار تفضيلية عبر عقود طويلة الأجل، إلا أن هذا الدعم قد بلغ سقفه منذ أن اتجهت أوروبا، بقيادة إيطاليا، نحو الجزائر لتعويض غياب الغاز الروسي؛ الأمر الذي دفع شركة “سوناطراك” إلى تعظيم صادراتها نحو الشمال على حساب التوسع في تزويد تونس، مما جعل الأخيرة عرضة في طلبها الإضافي لأسعار السوق الفورية (Spot Markets)

. وأمام تفاقم الأزمة التونسية، فإن الحكومة الجزائرية، التي تواجه هي الأخرى ضغوطاً على احتياطياتها من العملة الصعبة، لا تملك القدرة على تقديم هبات مالية ضخمة لإنعاش حليفها السياسي في الشرق. وأقصى ما يمكنها فعله هذا العام هو تسهيل توافد مليون سائح جزائري لضخ الأكسجين في شرايين القطاع السياحي التونسي، الذي يعد المورد الأكثر استقراراً لخزينة “القصبة”.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article