حرمت قيود التأشيرات المشددة، التي فرضتها السياسة الهجرية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، آلاف المشجعين الأفارقة من مرافقة منتخباتهم في كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بصيغة جديدة تضم 48 منتخبًا. وبين رفض طلبات التأشيرات وارتفاع تكاليف السفر والإقامة والمتطلبات الصحية، وجدت عدة منتخبات أفريقية نفسها تخوض المونديال في مدرجات تغيب عنها جماهيرها القادمة مباشرة من القارة.
وكانت الولايات المتحدة قد علّقت في شهر ماي الماضي نظام الكفالة المالية للتأشيرة، الذي كان يمكن أن يصل إلى 15 ألف دولار لبعض المشجعين الحاملين لتذاكر رسمية من الفيفا، وشملت هذه الكفالة، قبل تعليقها، الجزائر وتونس والسنغال وكوت ديفوار والرأس الأخضر. ورغم هذا التخفيف، استمر العديد من المشجعين الأفارقة في مواجهة صعوبات للوصول إلى أمريكا الشمالية.
الجزائر: رفض تأشيرات وتكاليف إقامة مرتفعة
واجه المشجعون الجزائريون عقبات عديدة في طريقهم لمتابعة “الخضر” في الولايات المتحدة. وبحسب صحيفة “هوريزون” الجزائرية، رُفضت طلبات تأشيرة عدد من المشجعين الذين كانوا قد جهّزوا رحلتهم نحو مدينة كانساس سيتي، بينما عزف آخرون عن السفر بسبب التكاليف المرتفعة.
وروى تاجر جزائري للصحيفة أنه أنهى كل تحضيرات سفره قبل أن يُفاجأ برفض تأشيرته، في حين أوضح طالب جامعي أن أسعار الإقامة، التي تجاوزت 120 دولارًا في الليلة، جعلت السفر مستحيلًا من الناحية المالية. وفي ظل هذا الوضع، نصبت ولاية الجزائر عدة شاشات عرض كبرى لتمكين المشجعين من متابعة مباريات “الخضر” في جو جماعي.
وفي المقابل، أوضحت بوابة “تي إس إيه” (TSA) الجزائرية أن وزارة الخارجية الأمريكية أكدت أن القيود التي قررتها واشنطن تخص أساسًا تأشيرات الهجرة، وأن تأشيرات السياحة والرياضة والإعلام تبقى نظريًا متاحة للمواطنين الجزائريين.
تونس: استفادت من تخفيف الكفالة المالية لكن خرجت مبكرًا
كانت تونس من بين الدول التي استفادت من إلغاء الكفالة المالية للتأشيرة التي كانت تصل إلى 15 ألف دولار. وبحسب “يورونيوز عربي” و”الشرق بزنس”، استفاد المشجعون التونسيون الحاملون لتذاكر رسمية من الفيفا من هذا الإلغاء، الذي شمل أيضًا عدة دول أفريقية مؤهلة أخرى.
ومع ذلك، استمرت الصعوبات الإدارية والمالية في الحد من تنقل المشجعين. وعلى المستوى الرياضي، أصبحت تونس أول منتخب أفريقي يودّع كأس العالم 2026، بعد هزيمتها الثانية في البطولة بنتيجة 4-0 أمام اليابان، وهو ما أنهى بسرعة آمال “نسور قرطاج” وحرم جماهيرهم من مغامرة أطول في البطولة.
الكونغو الديمقراطية: عودة تاريخية تحت ظل القيود الصحية
شكّلت جمهورية الكونغو الديمقراطية أبرز مثال على هذه الأزمة. فلأول مرة منذ 1974، يشارك “الفهود” في نهائيات كأس العالم، لكن هذه العودة التاريخية جرت بعيدًا عن آلاف المشجعين الذين بقوا عالقين في البلاد.
وبحسب وسائل إعلام كونغولية ومنصة “سبورتس نيوز أفريكا”، دفع تفشي وباء إيبولا في شرق الكونغو السلطات الأمريكية إلى تشديد شروط الدخول بالنسبة للمواطنين الكونغوليين بشكل كبير، حيث اضطر اللاعبون والطاقم التقني لقضاء فترة حجر صحي في بلجيكا قبل السماح لهم بالالتحاق بمدينة هيوستن لمباراتهم الأولى.
أما المشجعون، فلم يحصلوا على نفس المعاملة؛ فآلاف الكونغوليين الذين اشتروا تذاكر لم يحصلوا على التراخيص اللازمة لدخول الولايات المتحدة.
كما فرضت المكسيك حجرًا صحيًا طوعيًا على القادمين مباشرة من الكونغو، بينما علّقت كندا لعدة أسابيع بعض الوثائق الهجرية الخاصة بالمواطنين الكونغوليين. وقد عبّر عدد من المشجعين، في تصريحات لـ”سبورتس نيوز أفريكا”، عن استنكارهم لهذا الإجراء الذي اعتبروه غير عادل، متسائلين عن جدوى معاقبة شعب بأكمله بينما عدة ولايات في البلاد لم تشهد تفشي الوباء.
وفي خطوة لافتة، طلب اللاعبون الكونغوليون من الرئيس فيليكس تشيسيكيدي إدماج الشخصية الجماهيرية المعروفة “مبولادينغا”، رمز مدرجات منتخب الكونغو، ضمن الوفد الرسمي.
وأوضح رئيس الاتحاد الكونغولي لكرة القدم، فيرون موسينغو-أومبا، أن اللاعبين أصروا على وجوده باعتباره رمزًا للصمود والفخر الوطني، وقد تم تمكين سفره إلى الولايات المتحدة عبر إدماجه في الوفد الرئاسي، حيث يُتوقع أن يحضر مباراة الكونغو أمام أوزبكستان في أتلانتا. بالتوازي، حصل وزير الرياضة الكونغولي ديدييه بوديمبو على تأشيرات شنغن لعدد من قادة مجموعات التشجيع، من بينهم الشخصية الجماهيرية لومومبا فيا، لكن غياب التأشيرات الأمريكية اضطرهم للاقتصار على حضور في أوروبا والمكسيك.
السنغال: غياب “لوبوغي” عن أول مونديال لهم
شهدت السنغال غيابًا لافتًا لمجموعة “لوبوغي” المعروفة بأهازيجها ورقصاتها وآلاتها الإيقاعية، حيث لم تسافر أي وفود رسمية من المشجعين السنغاليين نحو أمريكا الشمالية، في سابقة منذ مشاركة البلاد في المحافل الدولية الكبرى. وأكد عضو في المجموعة، عبدالرحمن فال، لصحيفة “لوباريزيان” الفرنسية أسفه لعدم تواجدهم مع منتخبهم، بينما أوضح رئيس المجموعة، باپ ماس غيي، أن طلب تأشيرته رُفض.
كما أكدت وزارة الرياضة السنغالية، بحسب الصحيفة نفسها، أنها لم ترسل أي وفد رسمي هذا العام. وسعيًا لضمان حضور سنغالي في المدرجات، وزّعت السلطات نحو 400 تذكرة على مواطنين سنغاليين مستقرين بالفعل في الولايات المتحدة.
كوت ديفوار: “الأفيال” بلا جماهيرهم المعتادة
واجهت كوت ديفوار صعوبات مماثلة، حيث خاضت مبارياتها الأولى دون حضور يُذكر من المشجعين القادمين مباشرة من البلاد. وانتقد رئيس اللجنة الوطنية لمشجعي “الأفيال”، جوليان كواديو أدونيس، في تصريحات لصحيفة “ليكيب” الفرنسية، هذا الوضع الذي اعتبره مسيئًا لصورة الكرة الإيفوارية، موضحًا أن العديد من المشجعين تخلوا عن الرحلة بسبب القيود الأمريكية على دخول بعض الجنسيات.
وكانت اللجنة تأمل في إرسال قرابة 500 مشجع إلى أمريكا الشمالية، إلا أن مجموعات التشجيع الإيفوارية، المعروفة بحضورها اللافت في كاسات الأمم الأفريقية والمونديالات السابقة، بقيت في أبيدجان. وبحسب الاتحاد الإيفواري لكرة القدم، تجاوزت الصعوبات الإدارية المشجعين لتطال حتى الجانب الرياضي، حيث أعلن الاتحاد في بيان رسمي أن المهاجم إلييه واهي لم يحصل في الوقت المناسب على التراخيص اللازمة لدخول كندا قبل مباراة منتخبه أمام ألمانيا في تورنتو.
الرأس الأخضر: قصة حارس المرمى وأمه
عاش الرأس الأخضر إحدى أكثر القصص تأثيرًا في البطولة. فقد كشف حارس المرمى فوزينيا، بعد التعادل أمام إسبانيا، أن والدته أنا كانديدا إيفورا لن تتمكن من حضور المباريات لعدم حصولها على تأشيرة، تصريح أحدث تعبئة واسعة.
وبحسب عدة وسائل إعلام، كثّفت سلطات البلاد مساعيها الدبلوماسية للحصول على إذن استثنائي، وبفضل تدخل المسؤول الديمقراطي الأمريكي حكيم جيفريز على وجه الخصوص، حصلت والدة اللاعب على تأشيرة عاجلة مكّنتها من مغادرة برايا للالتحاق بميامي ومتابعة مباراة الرأس الأخضر أمام الأوروغواي. وأظهرت هذه الواقعة أن الصعوبات لم تطل المشجعين فقط، بل امتدت إلى عائلات اللاعبين أيضًا.
مونديال تحت ظل قضية الهجرة
يبدو أن كأس العالم 2026 ستبقى في الذاكرة كأحد أوائل الفعاليات الرياضية العالمية الكبرى التي تأثرت بشكل مباشر بالنقاشات الهجرية المعاصرة. فبالنسبة للعديد من المشجعين الأفارقة، لم تبدأ الصعوبات في الملاعب، بل في القنصليات ومراكز التأشيرات والمطارات.
وفي حين تقدّم الفيفا كأس العالم تقليديًا كاحتفال عالمي بكرة القدم، يرى عدد من المراقبين أن القيود المسجلة هذا الموسم حدّت من التمثيل الشعبي لبعض الدول الأفريقية في المدرجات، في وضع يعكس أيضًا التحديات التي يفرضها تنظيم حدث عالمي في سياق تحتل فيه السياسات الهجرية والاعتبارات الصحية والأمنية حيزًا متزايدًا في العلاقات الدولية.

