ميلوني تصل إلى الجزائر وسط تصاعد الضغوط الطاقوية في أوروبا

Oussama Nadjib
5 min de lecture
تصل رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى الجزائر يوم الأربعاء 26 مارس 2026 في زيارة رسمية

تصل رئيسة مجلس الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى الجزائر يوم الأربعاء 26 مارس 2026 في زيارة رسمية تأتي في سياق يتسم بتصاعد التوترات في أسواق الطاقة الأوروبية. وتبرز الجزائر شريكاً استراتيجياً لإيطاليا، التي تسعى إلى تأمين وارداتها على المدى القصير، مع التحضير في الوقت ذاته لحلول آجال استحقاق العقود التي ستنتهي بحلول عام 2027، وفقاً لعدد من تحليلات الصحافة الإيطالية والدولية.

في هذا الإطار، رسمت الصحافة الإيطالية ملامح هذه الزيارة؛ فقد عنونت صحيفة “لا ريبوبليكا”: «ميلوني تتقدم بخطوة: تتوجه إلى الجزائر لتأمين مزيد من الغاز»، في إشارة إلى مقاربة استباقية. ومن جهتها، وصفت “بلومبرغ” الوضع بقولها: «إيطاليا تدخل سباق الغاز الجزائري في وقت تقلص فيه الحرب في إيران الإمدادات»، مسلطة الضوء على تصاعد المنافسة بين المستوردين الأوروبيين.

وتتقاطع هذه القراءات عند نقطة أساسية مفادها أن إيطاليا تسعى لتعزيز أمنها الطاقوي في بيئة تتسم بتزايد حالة عدم اليقين، حيث تتقلص البدائل أو تصبح أكثر تقلبًا. وتبرز الجزائر، في هذا السياق، فاعلاً محورياً ليس لإيطاليا فحسب، بل لعدد من الدول الأوروبية المطلة على المتوسط أيضاً.

ضغط طاقوي وإعادة تشكيل مسارات الإمداد

تأتي هذه الزيارة في وقت تتعرض فيه ركائز عدة من منظومة الإمداد الإيطالية للاضطراب. ووفقاً لبلومبرغ، فإن الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت غازية في قطر قد تؤثر بشكل طويل الأمد على صادرات الدوحة، التي تعد من أبرز موردي الغاز الطبيعي المسال إلى إيطاليا. هذا الوضع يرفع مستوى المخاطر المرتبطة باستدامة الإمدادات، خاصة في ظل محدودية القدرة على تعويض هذه الكميات في المدى القصير؛ بالنسبة للدول المستوردة، لم يعد التحدي يقتصر على السعر، بل يشمل أيضاً ضمان توفر الكميات في السوق العالمية.

في هذا الإطار، تبرز الجزائر مصدراً بديلاً طبيعياً؛ فهي تمثل بالفعل أحد أهم موردي الغاز لإيطاليا، مستفيدة من شبكة أنابيب مباشرة ومن موقع جغرافي قريب يعزز تنافسيتها اللوجستية. غير أن هذه المركزية لا تعني بالضرورة مرونة فورية في زيادة الصادرات.

هوامش محدودة من الجانب الجزائري

تشير معطيات نقلتها بلومبرغ إلى أن شركة “إيني” الإيطالية تجري محادثات مع “سوناطراك” بهدف زيادة كميات الغاز المستوردة، غير أن هذه المفاوضات تكشف عن قيد أساسي يتمثل في تفضيل الجانب الجزائري توجيه الكميات الإضافية نحو “السوق الفورية” (Spot Market)، حيث تكون الأسعار أعلى وترتبط مباشرة بتقلبات السوق.

يعكس هذا التوجه منطقاً اقتصادياً واضحاً، لكنه في المقابل يقلص هامش التفاوض بالنسبة للمشترين الأوروبيين الذين يواجهون احتمال ارتفاع تكاليف الإمداد. كما يؤكد أن مسألة زيادة الكميات لا تتوقف على الطلب فحسب، بل ترتبط أيضاً باستراتيجية التصدير والظروف العامة للسوق. بعبارة أخرى: تمتلك الجزائر هامشاً للتأثير، لكنه يظل محكوماً بقدرات الإنتاج وخياراتها التجارية.

عقود في طور الانتهاء نحو 2027

من جهتها، تركز “لا ريبوبليكا” على البعد الاستراتيجي للزيارة؛ فاعتبارها خطوة استباقية يعكس سعي روما لتثبيت موقعها قبل اقتراب مواعيد انتهاء العقود الحالية. ولا يقتصر الهدف على تأمين كميات إضافية على المدى القصير، بل يشمل أيضاً بناء إطار تعاون طويل الأمد مع الجزائر؛ وهو ما يتطلب تعزيز الشراكة السياسية باعتبارها شرطاً أساسياً لأي توسع ملموس في تدفقات الغاز. تشير الصحيفة ذاتها إلى أن الجزائر «ليس منتجاً كغيره من المنتجين؛ فهو يمثل 36% من الغاز الطبيعي المستورد إلى إيطاليا و10% من الغاز الطبيعي المسال».

تشير تحليلات اقتصادية إيطالية، من بينها ما تنقله “إل سولي 24 أوري”، إلى أن الاتفاقيات الغازية المبرمة بعد أزمة الحرب في أوكرانيا تقترب تدريجياً من نهايتها بحلول عام 2027. هذا الأفق الزمني يفرض على الطرفين استباق مفاوضات التجديد في بيئة سوق أكثر تنافسية؛ فإيطاليا تسعى لتأمين إمدادات مستقرة وطويلة الأجل، بينما تعمل الجزائر على تحسين عائداتها مع الحفاظ على توازن بين التزاماتها التعاقدية وفرص السوق الفورية.

قراءة جيوسياسية

في قراءة أكثر شمولاً، تتجاوز هذه الزيارة البعد الطاقوي لتشمل اعتبارات جيوسياسية أوسع؛ فهي تندرج ضمن مسعى لإعادة تنظيم العلاقات في الفضاء المتوسطي، في ظل إعادة تشكيل التوازنات الدولية. وبذلك، تتحول الطاقة إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية، ووسيلة لتعزيز النفوذ وبناء الشراكات الاستراتيجية بين أوروبا وشمال إفريقيا.

ورغم أهمية موقع الجزائر، تظل حقيقة أساسية حاضرة: القدرات الإنتاجية والتصديرية ليست مرنة على المدى القصير؛ فأي زيادة كبيرة تتطلب استثمارات إضافية وآجالاً زمنية ورؤية طويلة الأمد. وبالتالي، فإن نتائج هذه الزيارة لن تكون فورية أو ضخمة الحجم، بل تندرج ضمن مسار تدريجي يقوم على التفاوض والتكيف مع القيود القائمة، سواء من حيث الإنتاج أو الأسعار أو العقود.

Partager cet article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *