وجاءت تصريحات تبون في وقت كان الجدل السياسي والإعلامي في فرنسا يربط أي تقارب محتمل مع الجزائر بتقديم تنازلات فرنسية في هذه الملفات، ولا سيما ملف التأشيرات الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز أدوات الصراع السياسي الداخلي في فرنسا. وأكد الرئيس تبون أن الجزائر لم تطلب «حصصاً من التأشيرات»، كما شدد على أنها لا تطالب بتعويضات مالية، وإنما تتمسك بمطلب الاعتراف بالجرائم الاستعمارية وكشف الحقيقة التاريخية. والامر كما سبق ان قاله في الماضي يتعلق أيضا بالتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية ومواقع دفن النفايات المشعة.
وتتقاطع هذه التصريحات مع ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي نفى بدوره وجود أي «هدف عددي» يتعلق بمنح التأشيرات للجزائريين، وهو ما يضعف إحدى أكثر القضايا حضوراً في الخطاب السياسي الفرنسي خلال الأشهر الأخيرة. فإذا كان رئيسا البلدين ينفيان وجود أي تفاوض حول «حصص» للتأشيرات، وإذا كانت الجزائر لا تطلب اعتذاراً ولا تعويضات مالية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي بقي فعلاً من الملفات التي تقدم، في الخطاب السياسي الفرنسي، باعتبارها جوهر الخلاف مع الجزائر؟
التأشيرات… من ورقة ضغط إلى ملف مبالغ في حجمه
منذ سنوات، حاول عدد من السياسيين الفرنسيين، وفي مقدمتهم وزير الداخلية السابق برونو روتايو، تحويل سياسة التأشيرات إلى وسيلة ضغط على الجزائر من أجل فرض تعاون أكبر في تنفيذ قرارات إبعاد المهاجرين غير النظاميين. غير أن هذه المقاربة لم تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها باريس. فالجزائر لم ترفض مبدأ استقبال رعاياها، لكنها رفضت عمليات الترحيل التي تمت خارج الإجراءات القنصلية المعمول بها، مؤكدة أن التحقق من هوية المرحَّل وإصدار وثيقة مرور قنصلية يظلان شرطين أساسيين قبل أي عملية ترحيل. ولهذا أعادت السلطات الجزائرية، في عدد من الحالات، الأشخاص الذين وصلوا من دون استكمال هذه الإجراءات على متن الطائرات نفسها التي أقلّتهم إلى الجزائر. وبذلك، لم يكن الخلاف يدور حول رفض الجزائر استقبال مواطنيها، بقدر ما كان يتعلق برفضها تحويل سياسة التأشيرات إلى وسيلة ضغط تتجاوز القواعد القنصلية المتعارف عليها بين الدول.
واليوم، تبدو تصريحات تبون وكأنها تسحب من هذا الملف جزءاً كبيراً من مبرراته السياسية، بعدما أكد أن الجزائر لم تطلب أصلاً زيادة في عدد التأشيرات مقابل أي تقارب دبلوماسي.
ما الذي بقي من ملفات الخلاف؟
إذا كانت الجزائر لا تشترط الاعتذار، ولا تطالب بتعويضات مالية، ولا تضع زيادة التأشيرات شرطاً لتحسين العلاقات، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: ما هي الملفات التي ما تزال تعرقل تطبيع العلاقات بين البلدين؟
يبقى ملف الذاكرة في صدارة هذه القضايا، لكن بصيغة مختلفة. فالجزائر تركز على الاعتراف بالجرائم الاستعمارية واستكمال كشف الحقيقة التاريخية، كما تتمسك بالحصول على المعلومات الكاملة المتعلقة بالتجارب النووية الفرنسية ومواقع دفن النفايات المشعة في الصحراء. أما قضية الصحراء الغربية، التي كانت سبباً في أزمة حادة بين الجزائر وإسبانيا، فلم تعد تبدو اليوم العائق الرئيسي أمام العلاقات الجزائرية الفرنسية، خاصة في ظل الرسائل الإيجابية التي وجهها تبون إلى باريس عندما وصف فرنسا بأنها «دولة صديقة» رغم وجود سوء فهم مرتبط بالسياق السياسي الفرنسي. وتوحي هذه التصريحات بأن الجزائر تميل إلى مقاربة براغماتية شبيهة بتلك التي اعتمدتها لاحقاً مع إسبانيا، حيث جرى الفصل بين الخلافات السياسية وإدارة العلاقات الثنائية، من دون التخلي عن المواقف المبدئية.
اللغة الفرنسية… قضية جزائرية و«غنيمة سلام»
يبقى النقاش حول مكانة اللغة الفرنسية شأناً جزائرياً في المقام الأول. وإذا كان كاتب ياسين قد وصف الفرنسية بأنها «غنيمة حرب»، فإن انتشارها الواسع بعد الاستقلال يعود، قبل كل شيء، إلى الخيارات التي اتخذتها الدولة الجزائرية المستقلة. فعند الاستقلال، كان عدد الجزائريين الذين يتقنون الفرنسية محدوداً مقارنة بإجمالي السكان. غير أن المدرسة الجزائرية والجامعة والإدارة الوطنية هي التي تكفلت، خلال العقود التالية، بتوسيع دائرة استعمالها وتعليمها على نطاق واسع. وهكذا، أصبحت الفرنسية أقل تعبيراً عن إرث استعماري، وأكثر أداةً عملية اعتمدتها الدولة الجزائرية في بناء مؤسساتها وتكوين أجيالها، بقرار سيادي خالص.
ولعل من المشروع، على سبيل المجاز، أن توصف بعد الاستقلال بأنها «غنيمة سلام» أكثر منها «غنيمة حرب». وبذلك، يغدو النقاش حول السياسة اللغوية شأناً جزائرياً داخلياً، يتصل بخيارات الدولة والمجتمع أكثر مما يتصل بالعلاقة مع فرنسا، حتى وإن سعت بعض وسائل الإعلام الفرنسية إلى تقديمه باعتباره أحد ملفات العلاقات الثنائية.
اتفاق 1968… الملف الذي بقي في قلب السجال الفرنسي
ويبقى اتفاق 1968 المنظم لوضعية الجزائريين في فرنسا أبرز الملفات التي لا تزال تثير جدلاً سياسياً في باريس. فمنذ سنوات، جعلت أحزاب اليمين واليمين المتطرف من مراجعته، بل وحتى إلغائه، أحد محاور خطابها بشأن الهجرة والعلاقة مع الجزائر، معتبرة أنه يمنح الجزائريين امتيازات استثنائية في الإقامة والعمل. غير أن هذه القراءة ليست محل إجماع. فعدد من المختصين في قانون الهجرة يرون أن الاتفاق لا يمنح الجزائريين امتيازات صافية، بل يتضمن أيضاً أحكاماً أصبحت، في بعض جوانبها، أقل فائدة من النظام العام المطبق على جنسيات أخرى بعد تطور التشريع الفرنسي.
ومن ثم، فإن هذا الملف يظل قابلاً للتفاوض والمراجعة إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين، ولا يشكل في حد ذاته طريقاً مسدوداً في العلاقات الثنائية.
ما بين الملفات القضائية وإرث التاريخ
إذا كانت كثير من القضايا التي هيمنت على النقاش خلال السنوات الأخيرة قد فقدت جزءاً من حدتها، فإن التوتر بين البلدين يتمحور اليوم حول ملفات أكثر تحديداً، من بينها قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز المحتجز في الجزائر، وقضية الموظف القنصلي الجزائري إسمـاعيل ر. الموقوف في فرنسا والمتابع في قضية اختطاف المؤثر والمعارض أمير بوخرص. لكن هذه الملفات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير المكانة الخاصة التي تحتلها الجزائر في النقاش السياسي الفرنسي. هنا تكمن المفارقة. فكلما تراجع حضور بعض «ملفات الخلاف» الدبلوماسية التقليدية، بقيت الجزائر تحتل موقعاً استثنائياً في السجال السياسي الفرنسي، سواء تعلق الأمر بالهجرة أو الذاكرة الاستعمارية أو الهوية الوطنية. ويبدو أحياناً أن الجزائر تؤدي، داخل الحياة السياسية الفرنسية، وظيفة تتجاوز بكثير طبيعة الخلافات القائمة فعلياً بين الدولتين.
ويبقى الاعتراف الصريح بالحقائق التاريخية المطلب الأساسي الذي تتمسك به الجزائر، إلى جانب الملفات العملية المرتبطة بالأرشيف، والتجارب النووية، ومخلفاتها في الصحراء. أما بقية القضايا التي تشغل حيزاً واسعاً في النقاش السياسي الفرنسي، فيبدو أن كثيراً منها يعكس رهانات السياسة الداخلية الفرنسية أكثر مما يعكس طبيعة العلاقات الفعلية بين الجزائر وفرنسا.
ولعل المفارقة الكبرى أن العلاقات بين الدول قد تجد دائماً طريقها إلى التسوية عبر الحوار والتفاوض، أما الصور الذهنية التي يصنعها التاريخ وتغذيها السياسة، فهي غالباً ما تكون أكثر بطئاً في التغيير. وربما لهذا السبب، لم يعد التحدي الأكبر في العلاقات الجزائرية الفرنسية دبلوماسياً بقدر ما أصبح تحدياً يتعلق بالذاكرة والتمثلات المتبادلة، ولا سيما داخل المجتمع الفرنسي.



