في تحليل استشرافي مهم صدر في أفريل/نيسان 2026، كشفت الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين (CAPC، المعروفة سابقاً بـ FCE) عن استراتيجية طموحة تهدف إلى تموقع الجزائر كمركز عالمي مستقبلي للحوسبة عالية الأداء.
ويحمل التقرير عنوان «مزارع GPU في الجزائر: الطاقة الخضراء في خدمة الثورة الرقمية»، حيث يؤكد أن الطفرة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وتقنيات التصيير ثلاثي الأبعاد تفتح أمام البلاد فرصة تاريخية. ومن خلال الاستفادة من وفرة العقار وتكلفة الطاقة التنافسية، تسعى الجزائر إلى جذب كبرى شركات التكنولوجيا الباحثة عن الاستدامة والربحية.
مورد شمسي وريحي في خدمة الحوسبة المكثفة
لم تعد الجزائر تكتفي بكونها قوة غازية، بل تتجه اليوم إلى استثمار مساحتها الشاسعة التي تبلغ 2.38 مليون كيلومتر مربع لتصبح قوة طاقوية خضراء. ومع وقوع 86% من أراضيها ضمن الصحراء، تتوفر البلاد على مساحات واسعة غير مأهولة، ملائمة لإنشاء مزارع GPU ذات الاستهلاك العالي للطاقة، والتي تتطلب ما بين 0.125 و0.5 هكتار لكل ميغاواط.
ويشير التقرير إلى أن الجزائر تتمتع بأحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم. فبفضل إنتاجية فوتوفولطية قد تصل إلى 2550 كيلوواط/ساعة لكل كيلوواط باستخدام أنظمة التتبع الشمسي، يُقدَّر أن تمتلك الجزائر أكبر إمكانات اقتصادية للطاقة الشمسية عالمياً، بأكثر من 217,677 تيراواط/ساعة سنوياً.
ولضمان تزويد مستمر بالطاقة والحصول على تصنيف «100% طاقة خضراء»، توصي الكونفدرالية باعتماد نموذج هجين يجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ففي بعض مناطق الجنوب، تسمح سرعة رياح متوسطة تبلغ 8.71 متر/ثانية بتحقيق معامل قدرة سنوي يصل إلى 77%، ما يقلل بشكل كبير من الحاجة إلى تخزين الطاقة بالبطاريات ويحافظ على كميات معتبرة من الغاز الطبيعي.
ميزة تكلفة تنافسية على المستوى العالمي
يبقى عامل تكلفة الكهرباء حاسماً في مراكز البيانات. وفي هذا المجال، تتمتع الجزائر بميزة تنافسية واضحة، إذ تُعد أسعار الكهرباء الصناعية فيها من بين الأدنى عالمياً. ففي عام 2024، بلغ السعر الشامل نحو 0.036 دولار لكل كيلوواط/ساعة، أي ما يعادل 23% فقط من المتوسط العالمي.
وتُظهر الدراسة المقارنة أن الجزائر تتفوق على مراكز معروفة مثل آيسلندا (0.09 دولار/ك.و.س) والإمارات العربية المتحدة (0.11 دولار/ك.و.س). كما يمكن أن ينخفض السعر إلى 3.278 سنت/ك.و.س عند احتساب الكلفة المستوية للطاقة (LCOE) لمشاريع هجينة مزودة بأنظمة تتبع شمسي. ويتعزز هذا التفوق بوجود شبكة كهرباء وغاز قوية تُستخدم كحل احتياطي، ما يضمن استمرارية الخدمة على مدار الساعة، وهو عنصر أساسي للبنية التحتية الرقمية.
الربط الرقمي والمناخ: تفنيد الأفكار المسبقة
من بين العوامل الحاسمة أيضاً البنية التحتية الرقمية، التي غالباً ما يُغفل عنها. فقد أصبحت الجزائر مرتبطة بأوروبا عبر عدة كابلات بحرية عالية السعة، خاصة نحو مرسيليا وبالما دي مايوركا وفالنسيا، ما يسمح بزمن استجابة منخفض قد يقل عن 20 ميلي ثانية نحو باريس. وتجعل هذه الخصائص الجزائر قادرة على استضافة خدمات مثل الألعاب السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي، سواء للسوق الأوروبية أو الإفريقية.
أما من الناحية المناخية، فرغم أن الحرارة الصحراوية تمثل تحدياً، إلا أنها ليست عائقاً حقيقياً. إذ يبرز التقرير أن مناخ الصحراء الجاف مثالي للتبريد التبخيري (الأديباتيكي)، وهو حل تكنولوجي مجرب واقتصادي للغاية. كما توفر الهضاب العليا فروقاً حرارية مهمة بين الليل والنهار، ما يسمح بتبريد طبيعي للخوادم. ويقترح التقرير أيضاً اعتماد تصاميم شبه مدفونة للاستفادة من العزل الحراري للتربة، كما هو معمول به في مدن مثل فينيكس ودبي.
إطار قانوني محفّز للمستثمرين
يسلط التقرير الضوء كذلك على تطور مهم في الإطار التشريعي. فقد تم إلغاء قاعدة «49/51» بالنسبة للأنشطة التكنولوجية، مما يسمح للمستثمرين الأجانب بامتلاك 100% من رؤوس أموال مشاريعهم في الجزائر. وترافق هذا الانفتاح مع تبسيط الإجراءات عبر الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI)، التي تعمل كنقطة اتصال موحدة للمستثمرين.
كما وضعت الدولة حزمة تحفيزات ضريبية لتعزيز جاذبية القطاع، تشمل إعفاءات من الضريبة على أرباح الشركات (IBS) والضريبة على النشاط المهني (TAP) خلال مرحلة الانطلاق، مع إمكانية تمديدها إلى عشر سنوات للمشاريع الكبرى في الجنوب والهضاب العليا. ويُستكمل هذا الإطار بإعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية على استيراد المعدات التكنولوجية، بما في ذلك وحدات GPU والبنية التحتية الطاقوية.
أما العقار، فيُعد من أبرز عناصر الجذب، حيث توفر الدولة أراضي عبر عقود امتياز طويلة الأمد قد تصل إلى 99 سنة، بشروط مالية تفضيلية، وأحياناً مقابل التزام بخلق مناصب شغل مؤهلة. ويرتكز هذا التوجه نحو «التكنولوجيا الخضراء» أيضاً على تنمية رأس المال البشري، من خلال إنشاء مدارس متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بما يتيح تكوين كفاءات محلية بتكلفة تنافسية على الصعيد الدولي.

