بساحة: من المُمكن أن تصبح الجزائر اقتصاداً محورياً بحلول عام 2050

لماذا لا يكون لبلد يتمتع بموقع جغرافي متميز مثل هذا أي تأثير يذكر في التدفقات التي تشكل الاقتصاد العالمي؟ يتناول الاقتصادي عبد الرحمن بيساحة، المستشار السابق في صندوق النقد الدولي، هذه المسألة في مذكرة جديدة.

8 min de lecture
مشهد من ميناء الجزائر- بساحة :"الجغرافيا لا تصنع القوة آلياً"

تجمع الجزائر، باعتبارها أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، وبواجهة متوسطية تطل على جنوب أوروبا، وحدود مشتركة مع سبع دول في منطقة الساحل والمغرب الكبير، فضلاً عن كونها ثاني أكبر مزود للغاز للاتحاد الأوروبي، كل مقومات الاقتصاد المحوري. ومع ذلك، لا تظهر في إحصاءات التجارة العالمية إلا من خلال عمود واحد: صادرات المحروقات. هذا التناقض هو ما يغذي المذكرة الصادرة في 17 ماي من طرف الخبير الاقتصادي.

بدايةً، هناك رقم يقيس تكلفة هذا التناقض: بين 8 و12 مليار دولار. هذا هو حجم الخسائر التراكمية في العائدات الجمركية التي تكبدتها الجزائر منذ دخول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2005؛ وهو تفكيك تعريفي لم يكن النسيج الإنتاجي الوطني قادراً على استيعابه، ولم يأتِ أي بديل ضريبي داخلي لتعويضه. لكن هذا الرقم ليس سوى مدخل، يستخلص من خلاله بساحة استنتاجًا أوسع نطاقًا.

“الجغرافيا لا تصنع القوة آلياً”

يكتب بساحة: “ليست الجغرافيا هي ما يصنع القوة، بل القدرة على تنظيمها”. وتتكرر هذه العبارة عدة مرات في المذكرة بالطريقة نفسها تقريباً؛ فالجغرافيا لا تمنح القوة تلقائياً، بل العبرة بما يتم فعله بها. فالجزائر تحتل موقعاً مركزياً على الخريطة، لكنها غائبة في المجالات الأخرى، حيث تبيع المحروقات للخارج وتشتري من الخارج نفسه معظم ما تستهلكه، في نموذج يصفه الكاتب بالريع والسلبي.

ويستخدم الخبير الاقتصادي هذا الطرح للمقارنة بين منطقين تنمويين؛ حيث يربط المنطق الأول، وهو السائد في الجزائر، النمو باستغلال باطن الأرض وإعادة التوزيع عن طريق الميزانية للمداخيل المتأتية منه. أما المنطق الثاني، الذي يسميه “اقتصاد التدفقات”، فيستمد قيمته من قدرة البلد على تنظيم حركة التداول؛ أي البضائع العابرة، والطاقة التي يتم تحويلها قبل إعادة تصديرها، والخدمات اللوجستية والمالية التي تُباع للمنطقة. حينها، تكف الموانئ والممرات والمنصات الصناعية عن كونها مجرد تجهيزات بسيطة، لتصبح -وفق تعبيره- “أدوات للسيادة الاقتصادية”. وضمن هذه القراءة، يعود بساحة إلى اتفاق الشراكة الموقع مع بروكسل.

اتفاق عزز التكامل دون تغيير البنية

يرى الخبير الاقتصادي أن الاتفاق أسفر عن “نتيجة متناقضة”؛ فقد تعزز التكامل التجاري، لكن بنية الاقتصاد لم تتغير، إذ لا تزال المحروقات تهيمن على الصادرات، كما لا تزال السلع المصنعة الأوروبية تهيمن على الواردات. وأدى التفكيك التدريجي للتعريفات الجمركية، الذي كان يهدف إلى تحفيز التنافسية، إلى إضعاف القاعدة الضريبية الهشة بشكل خاص.

ويقدر بساحة الخسائر التراكمية في الإيرادات الجمركية بين 8 و12 مليار دولار. وعلى أساس التدفق السنوي، تتراوح الخسارة بين 0.5 و1 مليار دولار، ما يعادل 0.5% إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي حسب السنوات. هذا التشخيص يتقاطع مع ما وضعه الخبير الاقتصادي سابقاً في نوفمبر 2025 بشأن ضعف الأثر التحولي للاستثمار العمومي الجزائري. ولم يحل أي بديل ضريبي محلي مكان تلك الخسائر، وظلت تعبئة الإيرادات خارج المحروقات ضعيفة هيكلياً، فلم يتم تعويض الفقدان الجمركي، مما أدى آلياً إلى تفاقم تبعية المالية العامة للنفط.

مع ذلك، لا يصنف الخبير الاقتصادي هذا الاتفاق في خانة الإخفاقات التامة، حيث يكتب: “سيكون من الإجحاف اعتبار هذا الاتفاق فشلاً”. فالإطار موجود، وأدوات التعاون قائمة، لكنها ببساطة “غير مستغلة بشكل كبير”. والرهان في نظره يكمن في “الانتقال من منطق التحرير التجاري إلى منطق التكامل الإنتاجي”.

الغاز… ورقة رابحة انتقالية

بخصوص ملف الطاقة، يبدو التشخيص أكثر حسمًا. تظل الجزائر مورداً استراتيجياً للغاز بالنسبة لأوروبا، في سياق يتسم بإعادة تشكيل إمدادات الطاقة منذ الأزمة الروسية الأوكرانية. لكن هذه المركزية، كما يؤكد بساحة، “انتقالية جوهرياً ومعرضة لتحولات هيكلية عميقة”. وتجتمع ثلاث قوى لتهديد هذا الريع؛ أولها سياسة إزالة الكربون الأوروبية التي ستخفض الطلب على الغاز الأحفوري، وثانيها صعود الأسواق الفورية (“سبوت”) وتنويع مصادر إمداد أوروبا مما يضعف القوة التفاوضية للمنتجين التقليديين، وثالثها التقلب المزمن للمداخيل المرتبطة ببرميل نفط تفلت دورات أسعاره من تحكم الجزائر.

ويشدد الاقتصادي على نقطة أساسية وهي أن تنويع مصادر الطاقة -أي تطوير الطاقة الشمسية، وعلى المدى الطويل الهيدروجين الأخضر- لن يكون له معنى إلا إذا رُبط بالطلب الأوروبي عبر شبكات ربط ومعايير مشتركة. وبخلاف ذلك، يحذر بساحة من أن “المركزية الطاقوية الحالية للجزائر قد تتحول إلى نقطة ضعف هيكلية”.

“خطر متزايد بالتهميش النسبي”

لا تمنح البيئة الإقليمية أي مهلة؛ فالمغرب قام بربط البنية التحتية، والسياسة الصناعية المستهدفة، والانفتاح التجاري، ليجعل من مركب “طنجة المتوسط” (Tanger Med) منصة لوجستية متصلة بسلاسل القيمة الأوروبية. وحافظت تونس، رغم ضغوطها الماكرو-اقتصادية، على اندماج صناعي في عدة قطاعات. أما تركيا، فهي تلعب في فئة أخرى؛ فئة القوى الصناعية الإقليمية التي ارتقت بمستوى إنتاجها. وأمام هذه الديناميكية، يتحدث بساحة عن “خطر متزايد بالتهميش النسبي” للجزائر. هذا التراجع، حسب رأيه، لا يعود لنقص في الموارد أو عجز في المؤهلات، بل يرجع إلى “غياب استراتيجية اندماج متماسكة وعملياتية، تربط بشكل فعلي بين السياسات الصناعية، اللوجستية، التجارية والاستثمارية”.

ولا تزال أداءات الموانئ الجزائرية دون المعايير الدولية، كما أن التكامل بين النقل البحري، السكك الحديدية، والنقل البري يبقى غير كافٍ. والممرات العابرة للصحراء، التي تتحدث عنها السلطات بانتظام، تظل إلى حد كبير مجرد مشاريع. وبدون هذه الأسس المادية، تبقى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf)، في نظره، “إطاراً قانونياً شكلياً بلا أثر كبير على بنية الاقتصاد الجزائري”.

خارطة طريق على ثلاث مراحل

يقترح بساحة مساراً على ثلاث مراحل يمتد لربع قرن؛ حيث تشكل المرحلة الأولى فترة ترتيب الأساسيات حتى عام 2026، وتكون الأولوية فيها لإصلاح المقومات الأساسية كتوسيع الوعاء الضريبي خارج المحروقات، ترشيد الإنفاق العام، وتقليص تشوهات سوق الصرف، إذ يحذر الخبير الاقتصادي من أن الاستثمارات الضرورية للتحول ستبقى محدودة بدون هذا التمهيد. ويذكر في تحليل موازٍ نشرته “مغرب إيمرجنت” أن الاحتياجات التمويلية التراكمية للفترة 2026-2030 تصل إلى 164 مليار دولار في حال إطلاق الإصلاحات، وترتفع إلى 181 مليار دولار إذا لم يتم الانخراط فيها.

وتأتي بعد ذلك مرحلة البنية التحتية الممتدة بين عامي 2028 و2035، والتي تهدف إلى بناء ما ينقص حتى تؤتي الجغرافيا ثمارها، من خلال تشغيل ممرات لوجستية عابرة للصحراء، تحديث الموانئ، ربط السكك الحديدية بالطرق البرية، إنشاء مناطق صناعية موجهة للتصدير، وتوفير أدوات بنكية ملائمة للتجارة الخارجية؛ وهنا تصبح المؤهلات الجغرافية أصلاً اقتصادياً حقيقياً.

أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة الارتكاز الممتدة بين عامي 2035 و2050، وتتحول الجزائر في هذا الأفق إلى “اقتصاد محوري إقليمي”، يستند إلى قطب طاقوي متنوع يدمج الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وقاعدة صناعية متطورة، وخدمات لوجستية ومالية ذات بعد قاري. وفي هذه المرحلة، يكتب بساحة بأن الجزائر لن تكتفي بالمشاركة في التدفقات، بل ستساهم في تنظيمها وهيكلتها.

الخروج من الدبلوماسية الاقتصادية التراكمية

وفيما يخص الشراكات، يدعو الخبير الاقتصادي إلى صياغة علاقات قائمة على تراتبية واضحة بدلاً من مراكمة الشركاء؛ حيث يحتفظ الإقليم الأوروبي بدور مركزي، لكن يجب إعادة تعريفه حول الإنتاج الصناعي المشترك، نقل التكنولوجيا، والانتقال الطاقوي، وليس فقط حول ثنائية “الغاز مقابل الواردات المصنعة”. وتعد إفريقيا الفضاء الطبيعي للتوسع، شريطة أن تتبعها الممرات المادية. أما آسيا، فيُطلب منها التمويل والتصنيع، لكن بشرط توطين الاستثمارات في الجزائر، وإلا فإن هذا النموذج سيعيد إنتاج التبعية التي يزعم محاربتها. وتؤدي الولايات المتحدة ودول الخليج وظيفة تكميلية ترتبط بالابتكار، التمويل، وبعض البنى التحتية، حيث يكتب: “السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس الاختيار بين أوروبا، إفريقيا، آسيا أو الولايات المتحدة، بل يكمن في تحديد الوظيفة الدقيقة التي يجب أن يلعبها كل شريك في بناء نموذج نمو جديد”.

وتنتهي المذكرة بعبارة يكررها الخبير الاقتصادي كتحذير: “كلما تأخرت التحولات الضرورية، ارتفعت تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية”.

Partager cet article