بين “الفعل الإجرامي” و”الكارثة الكبرى”: أي مسار قانوني لتعويض منكوبي الحرائق؟

تعددت الخطابات والاجتماعات، المخصصة للحرائق الأخيرة التي مست ولايات وسط وشرق الوطن، وبدرجة خاصة ولاية جيجل. لكن بإستثناء إقرار الحداد لثلاثة أيام، لم يصدر لحد الساعة أي قرار يحدد التصنيف القانوني لهذه الحرائق: هل هي فعل إجرامي أم كارثة كبرى أم قوة قاهرة؟ وكل صفة من هذه الصفات لها تعريفها وتبعاتها القانونية.

7 min de lecture
الحرائق الأخيرة فعل إجرامي أم كارثة كبرى: الحلقة المفقودة

أول رد فعل رسمي، جاء من وزير الداخلية الذي تنقل بسرعة إلى ولاية بجاية ثم جيجل، وأعلن أن تلك الحرائق فاجأت السلطات إلى درجة لم تسمح بإقلاع طائرات الإطفاء. وقدم سعيود تعازيه لعائلات الضحايا ومعلنا من جهة أخرى عن فتح تحقيق في هذه العدد الكبير من الحرائق المندلع في نفس الوقت. وزير الداخلية قدم أيضا رقم الخسائر البشرية المسجلة في بداية الحرائق، وبلغت 12 ضحية، وبعدها جاء وزير الصحة ليعلن أن حصيلة الخسائر البشرية “جد معتبرة”.

بعد هذين التصريحين، توجه كل الخطاب الرسمي، نحو التأكيد على أن الدولة قامت بالواجب وأن صور التضامن التي صنعها الشعب الجزائري في هذه المحنة، لا مثيل لها في العالم، فيما تجنب كل المتدخلين، من مصالح الحماية المدنية والسلطات المحلية للمناطق المتضررة وصولا إلى الوزير الأول الذي نقلت صوره على المباشر وهو يحلق فوق المناطق المتضررة، أي تقدير للخسائر البشرية.

وفي اليوم الخامس من الحرائق، تنقل الرئيس عبد المجيد تبون مرفوقا بقائد أركان الجيش إلى مستشفى الحروق بزالدة، للوقوف على حالة الجرحى الذين نقلوا من مناطق الحرائق. وهناك أعطى الخطوط العريضة لطريقة التعامل مع هذه الحرائق، وتتمثل في: وجود مؤشرات على أنها فعلا إجراميا، تعويض الضحايا، قدر الله ما شاء فعل وعقد اجتماع خاص للاتخاذ قرارات هامة جدا.

قانون العقوبات لتسيير الأزمات

إنعقد الاجتماع في اليوم الموالي، وتقرر مراجعة قانون العقوبات ل”اقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ” بالنسبة للمتورطبن في هذه الحرائق، ومباشرة التحقيقات بحثا عن هؤلاء المتورطين. وتقرر من جهة أخرى تعويض المتضررين ل”أبسط مسمار ضاع منهم” في هذه الحرائق. وفي الأخير أمر الرئيس تبون مختلف المصالح بإحصاء الخسائر في أقرب وقت وبدأ عملية التعويض فورا…

الاجتماع “رفيع المستوى” تبعه إجتماعا للمجلس الأعلى للأمن، تم فيه “عرض متابعة مدى تقدم التحريات الأمنية والعلمية الدقيقة، التي يقودها الدرك والأمن الوطنيان”. وتقرر إعلان نتائج هذه التحريات في “اجتماع مشترك” سيعقد لاحقا. كما أكد اجتماع المجلس الأعلى للأمن على ضرورة تفعيل تنفيذ الحكم بالإعدام في كل ما يتصل بهذا النوع من الجرائم.

ربما نتائج التحريات المرتقبة ستكون البداية الفعلية للتعامل القانوني مع حرائق جيجل وباقي ولايات الوطن. وإلى ذلك الحين وضع المشرع عدة آليات يفترض تفعيلها قبل وأثناء وبعد الكوارث الكبرى والحرائق وغيرها من الظروف القاهرة التي قد تحدث في البلاد.

سيناريو الفعل الإجرامي

إذا أثبت التحقيق أن الحرائق ذات مصدر إجرامي، فإن الجانب الجزائي يفرض نفسه. تنص المادة 4 من قانون العقوبات، على أن “الأشخاص المحكوم عليهم بنفس الجريمة متضامنين في الغرامات ورد الأشياء والضرر والمصاريف”… وفي هذه الحالة ستصبح عملية التعويض التي تتكفل بها الدولة، فاقدة للأساس القانوني وستشكل سابقة، ستجعل الدولة تتحمل مستقبلا تعويض كل ضحايا الجرائم بمختلف أشكالها. أما إذا تم القبض على المجرمين وإدانتهم بإشعال النيران، فسيتم إعلانهم مسؤولين بالتضامن بأموالهم الخاصة عن كامل الأضرار الناجمة. ويجوز للضحايا مطالبة أي واحد من الفاعلين الشركاء بدفع كامل التعويضات المدنية.

وهنا يدخل القانون المدني في المعادلة، خاصة المادتين 107 و127 منه. تنص الأولى على أنه “إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف وبعد مراعاة لمصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول”. وتنص الثانية على أنه “إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب لا يد له فيه كحادث مفاجئ، أو قوة قاهرة، أو خطأ صدر من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص قانوني أو اتفاق يخالف ذلك».

هذه الإجراءات تؤكد أن عملية تعويض ضحايا الحرائق ستستغرق سنوات طويلة إذا أخذت مسار الفعل الاجرامي. وعليه وضع المشرع مادة أخرى في القانون المدني، هي المادة 140 مكرر1، التي تنص على أنه “إذا إنعدم المسؤول عن الضرر الجسماني ولم تكن للمتضرر يد فيه، تتكفل الدولة بالتعويض عن الضرر”. وفي هذه الحالة يسقط سيناريو الفعل الاجرامي وندخل في سيناريو الكارثة الكبرى التي ينظمها القانون 24/04 أو قانون 19/02 المتعلق الوقاية من الحرائق والفزع.

سيناريو الكارثة الكبرى ومسؤولية الدولة

 وفي حالة تطبيق القانون المتعلق بالوقاية من الحرائق، يصبح التعويض عن الضرر كذلك مرهونا بتحديد المسؤوليات، وفقا للمادتين الخامسة والسادسة منه. إذ تلزم المادة الخامسة المستغلين والمالكين قانوناً بالقيام بالرقابة الدورية للمحافظة على استمرارية عمل تجهيزات الكشف عن الحريق وصرف الدخان والتهوية ومكافحة الحريق، ووضع الوثائق المتعلقة بالوقاية تحت تصرف لجان المراقبة والضبط. ويشكل عدم احترام هذه التدابير الأمنية أو استعمال مواد بناء وتجهيزات غير مطابقة أو غير مقاومة للنار خطأً ثابتاً، تترتب عنه عقوبات إدارية وجزائية… وهذا السيناريو أيضا يستدعي سنوات طويلة من الإجراءات القضائية.

الحل إذن يوجد في القانون 24/ 04، المتعلق بالوقاية من الكوارث الكبرى، لكن هذا الحل تترتب عنه مسؤوليات كثيرة للدولة ومسؤولية التعويض تأتي في المرحلة الأخيرة من السلسلة. فالمادة 17 تنص على أن “الوقاية والتدخـل والـحد مـن أخطار الكـوارث في إطـار التنميـة المستدامــة ” تعتبر “منظومــة شاملــة تبادر بهـا وتقودهـا الدولة وتدعمها الهيئات العلمية وتنفذها المؤسسات والهيئـات العموميـة والجماعـات المـحليـة، كل في مجـال اختصاصه، بالتشاور مع المتعامـلين الاقتصاديين العمومـيين والخواص، وبإشـراك المجتمـع المدني”… كما ينص القانون على إنشاء مندوبية وطنية للوقاية من أخطار الكوارث تحت وصاية وزارة الداخلية. وفي شق النجدة، ينص القانون على مخططات النجدة البلدي والولائي والوطني. وتحدد المادة 35 الأحكام الخاصة بحرائق الغابات وحددها فيما يلي “«يتعين في المخطط العام للوقاية من أخطار حرائق الغابات ما يأتي:

إدراج تصنيف مناطق الغابات حسب أخطار حرائق الغابات التي قد تحدث، تحديد التجمعات السكانية في المناطق الغابية وأنظمة بنائها ومواد البناء الملائمة، تحديد مسارات الغابات والخنادق المضادة للحريق ونقاط المياه ونقاط المراقبة ضمن نظام معلومات جغرافي.». حرائق الغابات واردة في المرتبة الخامسة ضمن قائمة الكوارث الكبرى التي تضم 18 حالة، ومن شأن التحريات التي نجريها مصالح الأمن والدرك، أن تحدد لنا إن كانت هناك نقائص في مخطط الوقاية والتدخل لإنقاذ الأرواح، ومن ثمة تقصير من قبل المسؤولين محليا أو وطنيا. وقبلها يتعين إعلان المناطق المتضررة كمناطق منكوبة، وإسكان المنكوبين مؤقتا قبل إعادة إسكانهم أو مساعدتهم على ترميم سكناتهم، ثم التكفل بالتعويضات المالية عن أرواح الضحايا وعن الخسائر في المحاصيل الزراعية…

ÉTIQUETTES :
Partager cet article