ترأس رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أمس الأحد، اجتماعًا لمجلس الوزراء تناول مراجعة القانون الأساسي لمستخدمي الحماية المدنية ونظامهم التعويضي، وتدعيم السلك بالهياكل والوسائل المادية والبشرية اللازمة، إلى جانب ملفي الربط الرقمي بين مؤسسات الدولة وحصيلة موسم الحصاد والدرس 2025-2026.
ما الذي قرره مجلس الوزراء؟
جدد الرئيس شكره لأفراد السلك، معتبرًا أن الوقت قد حان لإعادة النظر في قانونهم الأساسي بما يتماشى مع التغيرات المناخية العالمية والأخطار الكبرى التي أصبحوا يواجهونها. وجاءت التوجيهات في شقين، مهني وتنظيمي.
في الشق المهني، أمر الرئيس برفع شامل للأجور عبر مراجعة النقاط الاستدلالية للرواتب، وإعادة النظر في سلم الرتب بما يلائم اختصاص السلك وتصنيف مهام الإداريين والميدانيين، وتثمين التعويضات الخاصة بالأعوان الميدانيين وعائلاتهم. كما شدد على أن يكون التكوين مستمرًا طيلة المسار المهني، حفاظًا على النجاعة والجاهزية وتفاديًا لخسارة الأرواح أثناء التدخلات.
وفي الشق التنظيمي، وجّه بـالمراجعة التقنية والتكنولوجية لوسائل العمل الميداني باقتناء أجهزة متطورة مع مخطط لتجديدها، واستحداث نقاط وشبه مراكز مراقبة بالتعاون مع وزارة الفلاحة في المناطق ذات الكثافة الغابية. كما أمر بتعزيز أسطول طائرات الإطفاء تدريجيًا حسب توفرها في السوق الدولية، ومأسسة التطوع الموسمي مع نظام عالٍ لحماية المتطوعين.
وتأتي هذه القرارات بعد صيف قاسٍ. فقد ثمّن الرئيس سرعة إجراءات تعويض ضحايا الحرائق، خاصة في ولاية جيجل التي وصفها بالأكثر تضررًا، وأمر الحكومة باستكمال ما تبقى منها في أقرب وقت. ولم يتضمن البيان أرقامًا عن نسبة الزيادة في الأجور، ولا جدولًا زمنيًا للاقتناء، ولا عدد الطائرات المنتظرة.
ميزانية الحماية المدنية
تتبع الحماية المدنية وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ولا تنشر الجزائر ميزانية مستقلة لها في العروض العامة لقانون المالية. و خصص قانون المالية 2026 للداخلية والجماعات المحلية والنقل نحو 1,535 ألف مليار دينار، أي ما يقارب 11.37 مليار دولار. وتغطي هذه الحصة محاور الأمن الوطني والحماية المدنية والنقل، فالحماية المدنية جزء منها لا كلها.
أما الوسائل الجوية، فقد كشف وزير الداخلية والنقل السعيد سعيود في 23 جويلية الماضي أن الأسطول المسخّر يضم 12 طائرة تابعة للحماية المدنية، ستٌّ منها مملوكة لمجمع سوناطراك وستٌّ مستأجرة، إضافة إلى طائرتين كبيرتين للجيش الوطني الشعبي، ومروحيات يفوق عددها خمسًا أو ستًا، ليبلغ المجموع نحو 18 وسيلة جوية.
ما تحتاجه الحماية المدنية فعلًا بعد مراجعة الأجور وفتح باب التطوع
يرى محللون أن رفع الأجور وفتح باب التطوع يعالجان الجانب البشري فقط، وأن الجاهزية الفعلية تتوقف على عناصر أخرى.
ففي مسألة التطوع، لا تكفي المأسسة النصية فقط فالعائق الأكبر في معظم الدول هو رفض أرباب العمل السماح لموظفيهم بالمغادرة، ما يستدعي ضمانًا قانونيًا لحماية الوظيفة أثناء التعبئة، إضافة إلى تعويض يومي وتغطية تأمينية كاملة وتكوينات معتمدة. ويحذر من المقارنة المباشرة مع البرتغال، حيث يشكل المتطوعون أكثر من 90 بالمئة من رجال الإطفاء، لأن الفارق في نموذج التنظيم كبير.
وعلى صعيد القيادة، يُلاحظ أنه لا توجد علنًا وثيقة موحدة تحدد من يقود العمليات ومتى بين الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات والجيش. وقد ظهر أثر ذلك في صيف 2026، إذ سجلت الحماية المدنية 3,719 حريقًا منذ مطلع مايو مقابل 1,501 في الفترة نفسها من 2025، مع أكثر من 120 بؤرة نشطة في وقت واحد في 15 ولاية. وتزداد أهمية القيادة الموحدة مع دخول متطوعين جدد يحتاجون إلى تدريب مشترك.
أما الوسائل الجوية، فتشير المعطيات إلى أن الطائرات الخفيفة هي الأكثر استخدامًا، فقد نفذت طائرات AT-802 نحو 1,219 من أصل 1,563 عملية إسقاط جوي في 2025، أي 78 بالمئة، ما يجعل توسيع هذا الأسطول أولوية قصيرة الأجل لتكلفته النسبية ومرونته. و دعا مختصون إلى إدخال طائرات استطلاع وإرشاد ومواد مثبطة للحريق، إذ لا تشير تقارير حملة 2026 إلى استخدامها.
وفي المسيّرات، كان الهدف 140 طائرة خلال 2026، بينما لم يتوفر منها عمليًا سوى 35 حتى 22 يونيو، مع 80 أخرى قيد الاقتناء. ويبقى التحدي في سلاسل التوريد، فقد سبق أن وصلت طائرة واحدة فقط من أصل أربع طائرات روسية مبرمجة، لأن محركاتها تُصنع في أوكرانيا، ما يفرض الحذر من التبعية في المحركات وقطع الغيار.
وفي الوقاية من الكوارث الأخرى، أثار متابعون إلى غياب مؤشرات على نظام إنذار للسكان عبر الهاتف (Cell Broadcast)، وإلى عدم وجود نظام وطني لإدارة حركة المرور أثناء الإجلاء، وإلى نقص مخزونات الطوارئ المسبقة في الولايات. وتخص هذه الأولويات الحرائق والفيضانات والزلازل معًا، وتذكّر بدروس زلزال بومرداس 2003 الذي أودى بأكثر من 2,300 شخص، حين كانت المشكلة في مراقبة تطبيق قواعد البناء أكثر منها في غياب القانون.
وبالتالي تُعالج توجيهات مجلس الوزراء أهم مطالب السلك، أي الأجور والرتب والتكوين. لكن نجاحها يبقى رهين صدور القانون الأساسي الجديد، وإعلان الغلاف المالي وجدول اقتناء الطائرات، ووضع إطار حماية واضح للمتطوعين، وترسيخ قيادة موحدة عند الأزمات. وبما أن الرئيس ربط تعزيز الأسطول بتوفر الطائرات في السوق الدولية، فإن وتيرة التنفيذ ستتأثر بالعرض العالمي وقيود التوريد.

