احتشد آلاف المتظاهرين، يوم السبت، في ساحة دار البلدية بمدينة سان دوني تلبية لنداء العمدة الجديد، بالي باغايوكو، الذي تعرض فور انتخابه لحملة عنصرية شرسة في وسائل إعلام فرنسية موالية لإمبراطورية بولوريه وعلى منصات التواصل الاجتماعي. وهي عنصرية، كما ذكرت كريستيان توبيرا، وزيرة العدل السابقة، “لا تأتي من فراغ؛ بل تعود جذورها إلى العصور الاستعمارية، وإلى أكذوبة تراتبية الأعراق، وذاكرة حدائق الحيوان البشرية.”
بالي باغايوكو، المنتخب تحت راية فرنسا الأبية، تعرض للهجوم بسبب لون بشرته عبر إشارات استعمارية عنصرية متحررة من أي ضوابط. وهذا ما يعيد إلى الأذهان تقاطع النخب مع الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، ويثير في الوقت ذاته إرادة قوية للمقاومة.تستهدف الحملات ضد باغايوكو بوضوح الفرنسيين من أصول مهاجرة، والسود، والعرب، الذين تنازع النخب في شرعية وصولهم إلى مراكز المسؤولية رغم تصويت الناخبين لهم.
صرخة استغاثة مواطنة
ساد سان دوني بعد ظهر السبت جو من الاستغاثة المواطنية. فبالي باغايوكو، الذي فجر انتخابه هجمات عنصرية مقززة على قناة سي نيوز حيث تم تشبيهه بعائلة القردة العليا، حول ساحة البلدية إلى معقل للكرامة. وصرح العمدة: “أنا لست سوى الشخص الذي وسم بالعار، لكن خلفي الكثير من السكان الذين يقعون ضحايا لهذا الواقع”، منتقدا مؤسسات عاجزة، وأحيانا متواطئة مع عنصرية تعرض اليوم بلا خجل في الفضاءات الإعلامية.
جان لوك ميلانشون، زعيم حركة فرنسا الأبية، الذي كان حاضرا في المظاهرة، صرح بأن بالي باغايوكو “يتحدث نيابة عنا جميعا،” محييا هذه النقطة الفاصلة التاريخية، وواصفا وحدة الشعب الفرنسي بأنها الرد الضروري على ازدراء النخب السياسية والإعلامية لورثة الهجرة. وأضاف:” فرحتنا بوصوله إلى المسؤولية عكرتها موجة عنصرية مقززة. كل الفرنسيين متساوون في الحقوق! هذا الشعب شعبنا، وهذا البلد بلدنا!”
البروز السياسي للأحياء الشعبية
يأتي هذا الحشد الضخم غداة صفعة قوية وجهت لوزارة الداخلية: تمثلت في إلغاء القضاء الإداري، يوم الجمعة 3 أبريل، قرار منع المؤتمر السنوي لمسلمي فرنسا في منطقة لو بورجيه، التي تبعد عشرة كيلومترات فقط عن سان دوني. يصطدم البروز السياسي للأحياء الشعبية، أرض العمال والمهمشين وضحايا العنصرية، بإدارة للدولة تحمل سمات الاستمرارية الاستعمارية عبر الوصم الدائم للسود والعرب والمسلمين.
وقد تجسد الدور المشبوه للسلطات الرسمية في محاولة منع هذا المؤتمر في دورته الأربعين. بإيعاز مباشر من وزير الداخلية، حاول محافظ شرطة باريس منع هذا التجمع التاريخي بذريعة مخاطر إرهابية من اليمين المتطرف أو نقص في أعداد الشرطة. لكن الحقيقة كانت محاولة لفرض أطروحة اختراق الإخوان المسلمين، وهي لغة أمنية تعتمد على تقارير واستطلاعات رأي منحازة لتجريم الهيئات المسلمة مسبقا.
إلا أن المحكمة الإدارية ألغت المنع يوم الجمعة، معتبرة مسوغات محافظة شرطة باريس غير مقنعة، ومؤكدة الغياب التام للأدلة المادية خلف التقارير السرية للاستخبارات. يسلط هذا الإخفاق القانوني الضوء على الطابع القهري لاستراتيجية حكومية يبدو أنها تتحرك في حالة ذعر كاملة، وفقا لتعبير الإمام طارق أوبرو.
بينما تعلن الحكومة بالتوازي عن مشروع قانون جديد لتشديد مكافحة الانفصالية – وهو قانون يستهدف المسلمين دون سواهم – يعبّر مواطنو محافظة سين سان دوني والكثير من الفرنسيين من كل المناطق، من خلال المحكمة بالأمس والشارع اليوم، أنهم عازمون على مقاومة الطاعون السياسي والإعلامي الفاشي، وتعسف الدولة التي يبدو أنها جعلت من تكريس الشك تجاه مواطنيها ركيزة أساسية للحكم.

