هل أصبح سباق الركض الحضري لمدينة الجزائر ضحية نجاحه الاستثنائي؟

7 min de lecture
سجّلت هذه النسخة من سباق الركض الحضري لمدينة الجزائر مشاركة نسائية قوية واستثنائية، توحي بتحول جارٍ في نمط شغل الفضاء العام، على الأقل في الجزائر العاصمة.

ستبقى النسخة الثالثة من سباق الركض الحضري لمدينة الجزائر (Algiers Urban Trail)، التي أُقيمت يوم الجمعة 26 جوان في شوارع العاصمة، واحدة من أجمل اللحظات الجماعية المفعمة بالبهجة. فقد شهدت الدورة مشاركة عشرة آلاف عدّاء قدموا من 23 دولة، وسط أجواء احتفالية لا تُنسى، فيما غصت منصات التواصل الاجتماعي على مدى ثمانٍ وأربعين ساعة بمقاطع فيديو نهارية وليلية كشفت العاصمة من زاوية لم يعهدها حتى سكانها. كما سجّلت هذه النسخة مشاركة نسائية قوية واستثنائية، توحي بتحول جارٍ في نمط شغل الفضاء العام، على الأقل في الجزائر العاصمة.


لقد كان العرس حقيقياً، وجاءت تعليقات المشاركين لتلامس حماساً فياضاً؛ فالجزائر البيضاء، المضيئة، والمتعبة بتضاريسها التي تحبس الأنفاس، أُعيد اكتشافها خطوة تلو أخرى، من منتزه الصابلات وصولاً إلى ساحة رياض الفتح. وفي غضون ثلاث طبعات فقط، تحول هذا السباق إلى الموعد الرياضي والثقافي الأكثر ترقباً في الأجندة الوطنية. وهنا بالتحديد تكمن المخاطر.


مقر الولاية… أولى نقاط الاختناق


خلف الستار الاحتفالية، ومضت مؤشرات إنذار لم يعد بإمكان المنظمين تجاهلها. وأكثرها جدية يتعلق بالمرور عبر مقر ولاية الجزائر، الذي بلغه العداؤون بعد نحو 3.5 كيلومترات فقط من خط الانطلاق — أي قبل وقت طويل من تمدد كوكبة العشرة آلاف مشارك بصورة طبيعية. وقد استمر الاختناق في هذه النقطة زهاء خمس عشرة دقيقة بالنسبة للمنطلقين ضمن الفوجين الثالث والرابع، الذين يشكلون قلب الحشد.


وداخل هذا المبنى ذي الطراز الموريسكي الجديد المغلق، والمفتقر لتهوية تناسب هذا التدفق البشري، تحولت هذه الجوهرة المعمارية إلى فرن حقيقي يشكل خطراً على سلامة الأجسام. ولم يكن الأمر مفاجأة تنظيمية، بل خطأ في ذاكرة الاستيعاب؛ ففي النسخة الثانية، وقع حادث مشابه — وإن كان أقل تأثيراً — عند المدخل الضيق للقصبة العليا، مسبباً (في الهواء الطلق هذه المرة) فترة انتظار وصلت إلى خمس دقائق للمشاركين المتجمعين.

ومن الواضح أن الدرس لم يُستخلص؛ فمع تضاعف عدد العدائين لأكثر من ثلاث مرات في ظرف عام واحد، أصبحت نسبة التسامح مع نقاط الاختناق في بداية المسار معدومة. كما تبين أن نظام الانطلاق على خمس دفعات — بفارق زمني يقارب عشرين دقيقة كحد أقصى بين الأولى والأخيرة — لم يكن كافياً لضمان انسيابية التدفق منذ الكيلومترات الأولى.


ظلام حديقة التجارب وصمت النصف الثاني من المسار


علاوة على اختناق الولاية، أثرت نقاط ظل أخرى على تجربة المشاركين، لا سيما أولئك الذين تواجدوا في وسط ومؤخرة السباق، والذين وصلوا إلى حديقة التجارب (الحامة) بعد أكثر من ساعتين من الركض، أي في ظلام شبه دامس. وقد زرع عبور الحديقة — من الأسفل إلى الأعلى، من شارع حسيبة بن بوعلي نحو شارع بلوزداد — شعوراً بالعزلة لدى العدائين، وقلقاً حقيقياً لبعض المشاركات جراء نقص الرؤية وغياب تواجد بشري محدد للمسار.


وبشكل عام، فإن نقطتي أو ثلاث نقاط التنشيط التي سُجلت في النصف الثاني من المسار — وهي التسعة إلى عشرة كيلومترات التي تفصل القصبة عن نقطة الوصول المهيبة — خلقت فراغاً ملموساً؛ إذ خبت أجواء الاحتفال في وقت كان فيه العداؤون بأمس الحاجة إليها. إن المعايير المعمول بها في سباقات الركض الحضري الكبرى، من مرسيليا إلى لشبونة، تتضمن نقطة تنشيط كل 1.5 إلى 2 كيلومتر، مع تكثيفها تحديداً في المناطق غير الأثرية. وبناءً على هذا المعيار، تسجل الطبعة الثالثة عجزاً مؤثراً في جزئها العلوي.


ظاهرة شعبية تفتقر للاحتضان المؤسساتي


ثمّة هنا مفارقة لافتة؛ فالسباق يحظى بوضوح بدعم ولاية الجزائر، مساندةً للاتحادية الجزائرية للتزلج ورياضات الجبل، اللذين سخّرا جهازاً لوجستياً وأمنياً معتبراً، كما يُقام الحدث تحت الرعاية المباشرة للوزير الوالي. ورغم ذلك، ومع وصول عدد المشاركين إلى عشرة آلاف وتمثيل ثلاث وعشرين جنسية، لا يزال السباق يفتقر إلى راعٍ عمومي رئيسي ومهيكل.


لقد تكفلت الشركة الصينية “Peak” بتجهيز المشاركين، بينما وفرت علامة “Izem Energy by Ifri” المشروبات، وهو تعاون عيني ضروري، لكنه يظل غير كافٍ لدعم حدث بهذا الحجم مالياً. فلا يوجد أي بنك وطني، ولا مجمع صناعي كبير، ولا متعامل للهاتف النقال يربط اسمه بالحدث (Naming)

. والأكثر دلالة من ذلك: أن أياً من القنوات التلفزيونية العمومية لم ينقل السباق مباشرة يوم 26 جوان، وهو غياب ذو عواقب مستهان بها. فسباق ليلي في شوارع الجزائر المضيئة يشكل مادة تلفزيونية شديدة الجاذبية والاستعراض. وكان من شأن بثه عبر قناة “Canal Algérie” أو القناة الثالثة “A3” أن يحول الحدث إلى واجهة وطنية، ويوفر للرعاة مؤشرات قياس جمهور (GRP) موثوقة وملموسة، ويفتح الباب أمام فئة من الشركاء الغائبين اليوم. صحيح أن السباق يحقق زخماً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذا الجمهور, مهما بلغ شغفه، لا يكفي بعد لإقناع مديري التسويق في كبرى الشركات العمومية والخاصة برصد ميزانيات معتبرة.


توصيات للنسخة الرابعة


حتى لا يقع سباق الركض الحضري لمدينة الجزائر ضحية لنجاحه، تفرض بعض التعديلات نفسها قبل تنظيم النسخة الرابعة، حيث يأتي في المقام الأول مقاومة الإغراء برفع عدد المشاركين مجدداً، إذ ينبغي أولاً ترسيخ الجوانب التنظيمية وصقلها مع سقف العشرة آلاف مشارك الحالي.

ويليه ضرورة إعادة النظر في مخطط المسار أو في نظام دفعات الانطلاق، بحيث لا يتم عبور المضائق المعمارية — كمقر الولاية والممرات الضيقة — إلا بعد قطع خمسة كيلومترات على الأقل من الركض، بما يتيح وقتاً كافياً للكوكبة لكي تتوزع وتنساب بشكل طبيعي. كما يتوجب رسم خرائط ممنهجة لـ “المناطق الميتة” في المسار — تلك التي تخلو من المعالم الباهرة، والجمهور العفوي، والإنارة الكافية — والتعامل معها كأولويات للتنشيط، لا مجرد زوايا ظل مقبولة؛ فحديقة التجارب، على جمالها الساكن ليلاً، تتطلب تواجدًا بشرياً مكثفاً ومؤثرات ضوئية وصوتية.


وأخيراً، ينبغي الشروع منذ الآن في مفاوضات إنتاج مشترك مع المؤسسة العمومية للتلفزيون (EPTV) لضمان النقل المباشر في طبعة 2027، ليس في شكل خدمة عمومية مجانية، بل كشراكة تحريرية تثمن فيها القناة حقوق البث مقابل تحمل جزء من تكاليف الإنتاج. فبهذا الثمن فقط، سيتمكن سباق الركض الحضري لمدينة الجزائر من تخطي العتبة التي تفصل بين حدث شعبي متميز وموعد رياضي وتراثي ذي بعد وإشعاع متوسطي.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article