دخلت الدبلوماسية الجزائرية في سلسلة من الأزمات المتتالية منذ 2019، لكنها سرعان ما استعادت العلاقات مع الدول التي تخاصمت معها، وبشكل أحسن من ذي قبل أحيانا.
إسبانيا: القطيعة ثم الشراكة الاستراتيجية
في مارس 2022، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز دعم بلاده لمخطط الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية، في تحول وصفته الجزائر بـ”الانقلاب المفاجئ” على الموقف الإسباني التاريخي من القضية. ردت الجزائر بسحب سفيرها من مدريد، وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة بين البلدين عام 2002، إضافة إلى تجميد عمليات التصدير والاستيراد والتعاملات المصرفية مع إسبانيا. ما ألحق خسائر مادية كبيرة بمؤسسات إسبانية عديدة وأحدث ندرة في بعض المنتجات بالسوق الجزائرية.
استمرت القطيعة نحو عشرين شهراً، قبل أن تشهد العلاقات انفراجاً تدريجياً: عاد السفير الجزائري إلى مدريد بعد 19 شهراً من الغياب، ثم استؤنفت المبادلات التجارية بشكل كامل. زار رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتشاز الجزائر منذ أسابيع، ومن المقرر زيارة الرئيس عبد المجيد تبون مدريد بدعوة من الملك فيليب السادس، شهر أكتوبر القادم.
الجزائر أصبحت المورد الرئيسي لاسبانيا بالغاز الطبيعي عبر أنبوب “ميدغاز”، فيما يشكل ملف الهجرة السرية أحد أكبر التحديات التي تعمل الحكومتين على التحكم فيه وغلق مساراته ومن ثمة تجفيف منابع الشبكات الإجرامية المتاجرة بالبشر والمخدرات في حوض المتوسط.
أما ملف الصحراء الغربية، فرسميا لم تتراجع إسبانيا عن مساندة مخطط الحكم الذاتي تحت سيادة المغرب. لكن عمليا، باشرت مدريد مسارا مؤسساتيا يقضي بمنح الجنسية الاسبانية للصحراويين المولودين قبل عام 1977. وهو مسار يثير غضب الرباط.
فرنسا: الهدنة الهشة
لم تهدأ العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ 2019، بسبب ما اعتبرته الجزائر تدخلا فرنسيا في شؤونها الداخلية أثناء الحراك الشعبي.
في المقابل تشتكي باريس من عدم تعامل الجزائر إيجابيا مع ملف المرحلين من أراضيها. وعرفت العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ 2019 موجتين كبيرتين من التوتر. الأولى في سبتمبر 2021، حين قلصت باريس عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين بنسبة 50%.
أما الأزمة الثانية والأكثر حدة فاندلعت في 30 جويلية 2024، حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رسالة إلى الملك المغربي محمد السادس، أن مقترح الحكم الذاتي المغربي “يشكل الإطار” الذي ينبغي أن تندرج ضمنه تسوية نزاع الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية.
اعتبرت الجزائر هذا الموقف انحيازاً صريحاً واستدعت سفيرها من باريس في أوت 2024. تصاعد التوتر أكثر بعد توقيف الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في نوفمبر 2024، الذي حُكم عليه لاحقاً في مارس 2025 بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية بتهم تتعلق بأمن الدولة والوحدة الترابية والاستقرار المؤسسي.
في أبريل 2025، طردت الجزائر 12 دبلوماسياً فرنسياً رداً على توجيه القضاء الفرنسي اتهام بمحاولة اختطاف المؤثر “أمير ديزاد” على الأراضي الفرنسية للموظف لموظف قنصلي جزائري، ثم وضعه رهن الحبس. فردت فرنسا بطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الجزائريين، واستدعت سفيرها من الجزائر. وفي ماي من العام نفسه، طردت الجزائر 15 دبلوماسياً فرنسياً إضافياً بحجة خروقات في الإجراءات الدبلوماسية. ولم تتوقف الأزمة عند الجانب الدبلوماسي، إذ سجلت فرنسا خلال هذه الفترة تراجعاً حاداً في عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين وفرضت قيوداً على تنقل بعض الشخصيات الجزائرية إلى أراضيها.
بدأت الأزمة تشهد انفراجاً تدريجياً مطلع 2026، مع عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى منصبه في الجزائر وزيارة وزيرة منتدبة فرنسية إلى ولاية سطيف شرقي الجزائر. ورغم وجود خطاب إعلامي وسياسي عدائي اتجاه الجزائر، مقابل عودة خطاب “قطع دابر فرنسا” بمناسبة التغييرات التي أعلنها وزير التربية في البرامج الدراسية، خلال الصائفة، إلا أن الخطاب الرسمي هذه المرة استطاع أن يتجاوز العودة بالعلاقات الثنائية إلى نقطة الصفر.
معهد مونتان الفرنسي، أصدر مؤخرا دراسة تحت عنوان “فرنسا-الجزائر: الخروج من دائرة العاطفة”. وتقدم هذه الدراسة علاقات فرنسا بالجزائر في حالة تصادم تقريبا على كل الأصعدة، إلا على الصعيد الجيوسياسي، حيث ترى “كلا من فرنسا والجزائر توليان أهمية بالغة للاستقرار في المنطقة المغاربية وفي الساحل”. وخلص صاحبا الدراسة ميشال ديكلوس وأوغستان موت، إلى “تلاقي المصالح الجيوسياسية للبلدين” لولا الخلافات الكبيرة القائمة بينهما هو ملف الصحراء الغربية الذي تصفه الدراسة ب”الفيل في غرفة” العلاقات الثنائية.
مالي: انفراج ونهاية مرحلة
في ليلة 31 مارس إلى الأول من أفريل 2025، طفت أزمة جديدة في سماء الديبلوماسية الجزائرية: سحبت مالي سفيرها من الجزائر، وانضمت إليها النيجر وبوركينا فاسو، الشريكتان في كونفدرالية دول الساحل، باستدعاء سفيريهما، تضمانا مع باماكو. وردت الجزائر بإغلاق مجالها الجوي أمام الطيران المالي في 7 أبريل 2025، واستدعاء سفيرها من باماكو للتشاور.
وتعود جذور التوتر بين الجزائر ومالي إلى ما هو أبعد من حادثة المسيّرة التي أسقطتها الجزائر في تينزاوتين، واعتبرت مالي ذلك “عملا عدائيا”. الازمة افجرت أساساً عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المالي في ماي 2021، ثم تفاقمت بعد استقبال الجزائر الشيخ محمد ديكو، أحد أبرز المعارضين والمرجعيات الدينية في مالي، وبلغت ذروتها حين أعلنت باماكو في ديسمبر 2023 إلغاء العمل باتفاقية السلام الموقعة في الجزائر عام 2015 بين الحكومة المالية وحركات الأزواد.
استمرت هذه الأزمة نحو 14 إلى 15 شهراً، قبل أن تعلن نيامي عودة سفيرها إلى الجزائر. تلت هذا القرار تطورات سريعة على مستوى العلاقات الجزائرية النيجرية على الصعيد الديبلوماسي، وبشكل أخص عليك الصعيد الاقتصادي، حيث عادت سوناطراك لنشاطاها شمال النيجر، وحسمت هذه التطورات إلى حد بعيد السباق على مسار الغاز الافريقي الذي سيتجه نحو أوربا، لصالح مشروع الأنبوب العابر للصحراء عبر خط نيجيريا و النيجر والجزائر.
التطور الاستراتيجي الذي حصل مع النيجر، فتح الابواب لطي صفحة الازمة مع مالي. وقد أعاد الطرفان في 10 جويلية الماضي سفيريهما وفتح مجاليهما الجويين، في خطوة وُصفت بأنها ثمرة ما سُمّي “استراتيجية الصبر الدبلوماسي” التي انتهجتها الجزائر.
ومن المقرر زيارة الوزير الاول، سيفي غريب إلى بماكو، بعد غد الاثنين، حاملا رسالة إلى الرئيس الانتقالي في مالي، الجنرال عصيمي غويتا. وقبلها كان الوزير الاول المالي قد زار الجزائر حاملا رسالة من غويتا إلى الرئيس عبد المجيد تبون، معلنا عن زيارة مرتبطة لغويتا إلى الجزائر.
وكخاتمة لمسار انتقال الجزائر من بلد “دخل في أزمات متعددة مع أغلب جيرانه” إلى قوة جهوية ضامنة للاستقرار في محيطها، أرسلت الجزائر طائرات حربية إلى النيجر التي تعرضت لعملية تمرد عسكرية. وأعلنت وزارة الدفاع أن هذه العملية جاءت استجابة لطلب نيامي.
المغرب: بؤرة الخلاف
لم تعرف الأزمة الديبلوماسية مع المغرب أي انفراج منذ 24 أوت 2021، تاريخ إعلان وزير الخارجية الجزائري آنذاك رمطان لعمامرة قطع العلاقات الدبلوماسية نهائياً مع الرباط.
السبب في ذلك، هو أن المغرب تقف كبؤرة الخلاف التي تتعطل عندها العلاقات بين الجزائر وشركائها الأجانب أو تتحسن. وقد يدفع استعادة الديبلوماسية الجزائرية دورها الريادي في المنطقة، الرباط إلى مراجعة سياستها الخارجية القائمة منذ عشريات طويلة، على تمويل حملات إعلامية و دبلوماسية معادية للمصالح الجزائرية.
وآخر مسلسلات هذه السياسة، هي “محاولة إغراق الجزائر بالمخدرات” كما تتهم الجزائر السلطات المغربية. في حين ظلت الرباط طيلة هذه السنوات تنتظر حلول عيد العرش لتعلن مد يدها للجزائر واستعدادها للحوار.
الإمارات : أزمة مؤقتة أم مزمنة؟
مباشرة بعد إعلان الجزائر طرد السفير الإماراتي من ترابها، ردت أبو ظبي بالتعبير عن أملها أن يكون القرار مؤقتا.
لكن خطاب التهدئة هذا، لم يمنع وزارة الدفاع الوطني من الاعلان عن غلق المجال الجوي الجزائري أمام الرحلات الإماراتية.
وبالنظر إلى ما بلغته المصالح الاقتصادية من تطور منذ عهد الرئيس المخلوع، الراحل بوتفليقة، فالأرجح أن الخلاف بين الجزائر و أبو ظبي يتعلق بالدور السلبي الذي تلعبه هذه الاخيرة في التوترات السائدة في ليبيا والسودان ودول الساحل…
هذه الصراعات أعادت إلى الواجهة دور الإمارات في الانتخابات الرئاسية الجزائرية عام 2019. ما يجعل تحييدها في الظرف الحالي أمرا حيويا بالنسبة للجزائر التي لن تقبل بعودة أجواء 2019 بمناسبة 2029 ولا بعدها


