سبتة: تقرير للشرطة الإسبانية يُورِّط المغرب ويُناقض رواية سانشيز

تأخذ أزمة سبتة منحى جديدا: تقرير للشرطة الإسبانية كشفت عنه صحيفة «إل إسبانيول» وأُحيل إلى القضاء، يؤكد أن قوات الأمن المغربية نظمت وأطرت عملية الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 جويلية. والأهم أن القضية تفتح أزمة داخل جهاز الدولة الإسبانية نفسه، في وقت تؤكد فيه حكومة سانشيز أنها لا تملك أي دليل على تورط الرباط.

8 min de lecture
المغرب هو من نظم عملية سبتة: تقرير من الشرطة الإسبانية يناقض رواية الحكومة الإسبانية... (dr)

تتغير طبيعة أزمة سبتة. لم يعد التشكيك في الرواية التي تدافع عنها الحكومة الإسبانية يأتي فقط من المعارضة أو من الجدل السياسي، بل يأتي هذه المرة من داخل جهاز الأمن والدولة نفسه. وبحسب المعلومات التي كشفت عنها صحيفة «إل إسبانيول»، أعدّ المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF)، وهو وحدة استخبارات تابعة للشرطة الوطنية الإسبانية وتعمل ضمن الجهاز المكلف بالهجرة والحدود، تقريرا ينسب إلى قوات الأمن المغربية دورا مباشرا في التحضير لعملية الدخول الجماعي التي جرت يومي 30 و31 جويلية وفي تأطيرها.

وقد أُحيل التقرير إلى قاضية المحكمة الوطنية الإسبانية، ماريا تاردون، التي تحقق في ملابسات هذه العملية. وذكرت صحيفة «إل باييس»، التي أكدت لاحقا وجود التقرير ومضمونه نقلا عن مصادر شرطية، أن الوثيقة تصف دخول عشرات الآلاف من الأشخاص على أنه جرى بطريقة هدفت إلى إغراق منظومة المراقبة الحدودية الإسبانية.

«هدف آخر غير الهجرة»

يصف التقرير عناصر من الدرك المغربي وهم يوجهون المجموعات بشكل نشط نحو نقاط عبور محددة. كما كان هؤلاء أنفسهم خاضعين لتأطير عناصر بملابس مدنية، يقدمهم التقرير على أنهم من أفراد أجهزة الاستخبارات المغربية. ويخلص المركز الوطني للهجرة والحدود إلى أن العملية كانت تستهدف «هدفا آخر غير الهجرة». وبحسب التقرير، لم يكن الأمر يتعلق فقط بحركة عفوية لسكان يسعون إلى دخول الجيب الإسباني. وكان الهدف الرئيسي، وفق هذه الرواية، هو إحداث انهيار في منظومة مراقبة الحدود وشل قدرة الجانب الإسباني على الرد، مع إضعاف صورة أجهزة الاستخبارات الإسبانية بشكل غير مباشر.

كما يربط التقرير العملية بالمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. ويعرضها باعتبارها عملية هجومية في مجال الاستخبارات («contrainteligencia ofensiva»)، تستهدف خصوصا إرباك قدرات الاستخبارات الإسبانية ووضعها أمام اختبار صعب.
ويصف المركز الوطني للهجرة والحدود كذلك عدة موجات من الوافدين، بخصائص مختلفة تماما: ففي البداية ظهر شبان، غالبا ما كانوا مزودين ببدلات للسباحة أو زعانف أو عوامات؛ ثم وصلت عائلات ونساء وأطفال؛ قبل أن تعود مجموعات تحمل خصائص الموجة الأولى. ويستوقف المحققين عنصر آخر: فبحسب التقرير، عاد نحو 90 في المائة من الأشخاص الذين دخلوا سبتة إلى المغرب خلال الساعات التالية، وهو ما يقدمه التقرير كدليل إضافي ضد فرضية أن الأمر كان مجرد حركة هجرة عفوية بالكامل.

تناقض مباشر مع رواية سانشيز

تصطدم هذه القراءة مباشرة بالخط الذي يدافع عنه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز. فمنذ بداية الأزمة، رفضت الحكومة الإسبانية توجيه اتهام مباشر إلى السلطات المغربية بتنظيم الدخول الجماعي. وفضل سانشيز فرضية تحرك شبكات إجرامية، تغذيه معلومات مضللة على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تدخل محتمل لجهات أجنبية. وقد تحدث رئيس الحكومة خصوصا عن حملات مرتبطة بروسيا وإسرائيل واليمين المتطرف الدولي. وأثارت هذه التصريحات موجة من الانتقادات، بما في ذلك من جانب حلفائه اليساريين المشاركين في الحكومة.

والآن، تواجه الرواية الحكومية تقريرا تحليليا صادرا عن جهاز أمني إسباني أُحيل إلى القضاء. لم تعد المسألة اتهاما صادرا عن المعارضة أو عن معلقين معادين للحكومة. إنه تقرير صادر عن جهاز الشرطة الإسبانية ينسب إلى القوات المغربية دورا في تنظيم العملية. ويرى أحد المتابعين للمشهد الإسباني في ذلك نوعا من التمرد داخل جهاز الشرطة الوطنية، اعتراضا على خيار الحكومة نفي أي تورط مغربي في ما وصفه سانشيز نفسه بأنه «هجوم» و«انتهاك للسلامة الإقليمية لإسبانيا».

مارلاسكا يطلب توضيحات من شرطته

تكشف قضية التقرير عن حرج كبير للحكومة، في وقت دعا فيه حزب الشعب الإسباني (PP) إلى تنظيم تجمعات على مستوى البلديات في البلاد، الأربعاء 2 سبتمبر، تحت شعار«التضامن مع سبتة». وكتب وزير الداخلية، فرناندو غراندي-مارلاسكا، إلى المدير العام للشرطة الوطنية، فرانسيسكو باردو، طالبا منه توضيح ما إذا كان التقرير موجودا فعلا، ومتى كانت الشرطة قد حصلت عليه، ولماذا لم يتم إبلاغه بمضمونه. وأكد الوزير أن هذه المعلومات «بالغة الأهمية» حتى يتمكن من ممارسة مسؤولياته واتخاذ الحكومة القرارات اللازمة في مواجهة أزمة سبتة. كما ذكّر بأن الوضع ذا أهمية بالنسبة إلى الأمن القومي، وبالتالي فإن المعلومات من هذا النوع يجب أن تُحال إلى السلطات المختصة بالأمن القومي.

وبعبارة أخرى، لم يعد مارلاسكا يسأل فقط من نظم عملية الدخول الجماعي إلى سبتة، بل يسأل أجهزة الأمن التابعة له: ماذا كانت تعرف، ومتى كانت تعرفه، ولماذا لم يكن هو نفسه على علم بذلك؟ وبحسب إذاعة «كادينا سير»، فإن التقرير الذي أُحيل إلى القاضية مر عبر عدد محدود جدا من الأيدي داخل الشرطة، ولم يكن، وفق المعلومات التي أوردتها، قد وصل حتى إلى نائب المدير العملياتي للشرطة قبل وصوله إلى القضاء. وإذا تأكدت هذه المعلومة، فإن القضية ستكتسب بعدا مؤسساتيا إضافيا.

أول شرخ: روبلس في مواجهة مارلاسكا

تأتي هذه الأزمة بعد تناقض أول لافت داخل الحكومة حول دور أجهزة الاستخبارات. فقد أكدت وزيرة الدفاع، مارغريتا روبلس، أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية «قامت بعملها»، وأنها نقلت معلومات تفيد بوجود خطر دخول عبر البحر. في المقابل، أكد مارلاسكا أنه لم يكن هناك «أي تقرير» يسمح باستباق عملية بالحجم الذي شهدته سبتة. وكان هذا الاختلاف قد كشف بالفعل عن شرخ في أعلى هرم الجهاز الأمني الإسباني: وزارة الدفاع تؤكد أن أجهزة الاستخبارات وجهت تحذيرات إلى السلطات، فيما تقول الداخلية إنها لم تتلق معلومات تسمح بتوقع عملية بهذا الحجم. أما ظهور تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود، فيضيف بعدا جديدا إلى هذا التناقض. لم يعد النقاش يقتصر على ما إذا كانت الأجهزة الإسبانية قد أحسنت تفسير الإشارات القادمة من المغرب. بل أصبح من الضروري تحديد أي أجهزة كانت تملك أي معلومات، وما الذي نُقل إلى التسلسل الهرمي، ولماذا وصلت بعض المعلومات في النهاية مباشرة إلى أيدي القضاء.

المغرب في قلب الملف

حتى الآن، حرصت مدريد على تفادي تحويل أزمة سبتة إلى أزمة مفتوحة مع الرباط. وأصبح التعاون المغربي-الإسباني في مجال الهجرة عنصرا مركزيا في سياسة سانشيز، كما دأبت الحكومة الإسبانية على التأكيد على أهمية هذه العلاقة. لكن تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود يعيد المغرب مباشرة إلى قلب الملف. وبحسب «إل إسبانيول»، فإن التقرير لا يتحدث فقط عن إخفاق في مراقبة الحدود المغربية، بل ينسب إلى القوات المغربية مشاركة نشطة في توجيه المجموعات نحو نقاط العبور، ويربط العملية بالمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. كما أفادت صحيفة «إل موندو»، التي نقلت المعلومات التي نشرتها «إل إسبانيول» في البداية، بأن التقرير يتحدث أيضا عن دخول 14 شخصا يُشتبه في وجود صلات لهم بشبكات جهادية إلى سبتة.

تتجاوز أزمة سبتة الآن مسألة المسؤولية المغربية وحدها. فتقرير المركز الوطني للهجرة والحدود يضع حكومة سانشيز أمام إشكالية أعمق: احتمال أن تكون عناصر مهمة من تحليل الأزمة قد تداولت داخل الجهاز الأمني من دون أن تصل إلى سلسلة اتخاذ القرار السياسي. وبعد التناقض بين مارغريتا روبلس وفرناندو غراندي-مارلاسكا بشأن تحذيرات أجهزة الاستخبارات، أصبحت المسألة التي يطرحها التقرير مؤسساتية بقدر ما هي دبلوماسية: من كان يعرف ماذا، ومتى، ولماذا لم تتبع بعض المعلومات المسار الهرمي المفترض؟

بالنسبة إلى سانشيز، أصبح الأمر أكثر تعقيدا. فروايته للأزمة، القائمة على الشبكات الإجرامية والمعلومات المضللة والتدخل المحتمل لجهات أجنبية، لم تعد تواجه فقط انتقادات المعارضة. بل أصبحت مطالبة بالتعامل مع معطيات صادرة من داخل الجهاز الأمني الإسباني نفسه. ومع سؤال يصعب على الحكومة والقضاء تجاهله: لماذا وصل تقرير بهذه الحساسية حول ملابسات الدخول الجماعي إلى سبتة إلى قاضية قبل أن يصل إلى وزير الداخلية؟

Partager cet article