كشفت مراسلة رسمية صادرة عن وزارة الصناعة الصيدلانية، بتاريخ 3 أبريل 2026، عن فجوة خطيرة في منظومة توزيع الدواء بالجزائر: أدوية تُسجَّل كـ”مفقودة” في الصيدليات، فيما تظل محتجزة في مستودعات المستوردين والمصنّعين والموزعين بالجملة. وفي السياق ذاته، دقّت النقابة الوطنية للصيادلة الخواص ناقوس الخطر، كاشفةً أن الملف تحوّل في بعض الأحيان إلى أداة ضغط وابتزاز ضد الصيادلة.
خلية اليقظة ترصد احتجاز وتحايل
رصدت خلية اليقظة الصيدلانية التابعة للوزارة تبايناً صارخاً بين بيانات الندرة المُبلَّغ عنها في الصيدليات وما هو متوفر فعلياً في مستودعات عدد من المتعاملين. وبناءً على ذلك، أصدرت الوزارة تعليمات صارمة تُلزم جميع حلقات سلسلة التوريد بطرح مخزوناتهم في السوق فوراً، مع تحديد سقف زمني يتراوح بين 48 ساعة وخمسة أيام لتلبية الطلبيات على المستوى الوطني.
وأعلنت الوزارة عن تفعيل دوريات تفتيشية ميدانية للتحقق من الامتثال، محذّرةً من أن أي مخالفة قد تُفضي إلى سحب الاعتماد، فضلاً عن الملاحقة القانونية في حالات الاحتكار والمضاربة والبيع المشروط.
النقابة: الندرة باتت سلاحاً
في تصريحات لموقع “صونتي نيوز“، لم يُخفِ الناطق الرسمي للنقابة الوطنية للصيادلة الخواص، كريم مرغمي، قسوة التقييم: “لا يمكن إنكار أن إدارة ملف الندرة الدوائية خلال الفترات الماضية لم تكن في المستوى المطلوب”، مضيفاً أن الملف تحوّل أحياناً إلى وسيلة ضغط وابتزاز تُمارَس ضد الصيادلة من قِبل بعض المتعاملين، واصفاً ذلك بـ”الانحراف الخطير” عن الدور الإنساني للدواء.
ورصدت النقابة، بناءً على معطيات ميدانية، تذبذباً ملحوظاً في توفر أدوية السكري (الأقراص)، وأدوية الغدة الدرقية، وبخاخات الربو. وقد بادرت إلى إخطار الجهات الوصية بقوائم تفصيلية، مما أسهم في تفعيل جهاز المراقبة الصيدلانية وعقد اجتماعات أفضت إلى توصية استعجالية محورية: رفع المخزون الأمني للأدوية الاستراتيجية من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر.
جذور الأزمة: ثلاثة عوامل متشابكة
يُشخِّص مرغمي الأزمة بثلاثة أسباب بنيوية متداخلة، أولاً إشكالية التسعير: انخفاض أسعار بعض الأدوية الأساسية جعل إنتاجها غير مجدٍ اقتصادياً، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الأولية والنقل والتغليف عالمياً، مما دفع بعض المصنعين إلى تقليص الإنتاج أو وقفه كلياً.
ثانياً ، الممارسات غير القانونية: الاحتكار، والمضاربة، والبيع بالحزمة، وإخفاء الأدوية، كلها سلوكيات تُفضي إلى ندرة مفتعلة تُستثمر ربحياً على حساب صحة المرضى.
ثم ثالثا ضعف التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية: تسارع التحولات في سلاسل الإمداد العالمية يستلزم مراجعة جذرية للسياسات الوطنية في تسعير المنتجات الصيدلانية.
يكشف هذا التوافق بين تحرك الوزارة وخطاب النقابة عن وعي متزايد بأن أزمة الدواء تتجاوز مجرد خلل لوجستي عابر، لتمسّ بنية المنظومة الصيدلانية برمّتها. غير أن الرهان الحقيقي يبقى في ترجمة التحذيرات والتعليمات إلى آليات رقابة فعلية ومستدامة، في ظل سوق تنشط فيه شبكات التوزيع غير الرسمية بمرونة يصعب احتواؤها بمجرد مراسلات إدارية.


