من مبادرة حوار وطني قبل عامين إلى الترحيب بعودة المعارضين..حصيلة منع مُقلق !

منذ إعادة انتخابه لولاية ثانية خريف 2024، لم يتوقف الرئيس عبد المجيد تبون عن تجديد التزامه بفتح "حوار وطني شامل" يجمع مختلف القوى السياسية، ووعد في أكثر من مناسبة، وآخرها خطابه أمام البرلمان بغرفتيه، بأن هذا الحوار سينطلق مع اعتماد قانون جديد للأحزاب. غير أن الموعد الذي حُدد أولاً لنهاية 2025 ثم لمطلع 2026 ظل مؤجَّلاً، فيما اكتفت السلطة بالحديث عن "تحضيرات تقنية" ومراجعة لقانون الانتخابات دون سقف زمني واضح.

9 min de lecture
علم وطني ضخم رفع خلال مسيرات الحراك الشعبي.

ترحيب رئاسي بمعارضي الخارج

في مسار مواز، وجّه الرئيس تبون خلال الأيام الأخيرة رسائل إلى المعارضين المقيمين خارج البلاد، مؤكداً في لقاء مع أفراد الجالية الجزائرية على هامش زيارة رسمية إلى ألمانيا أن لكل جزائري الحق في انتقاد السلطة، شريطة الابتعاد عمّا وصفه بالسب والشتم.

ورافق ذلك إعلان عن تسوية وضعية عدد من الجزائريين المقيمين في الخارج، على أن يلتزموا بعدم العودة إلى سلوكيات معينة، مع تكليف القنصليات بتنفيذ هذا القرار. جاء هذا في سياق حديث متجدد عن “انفتاح سياسي” وعودة شخصيات معارضة إلى الجزائر ، من بينها الدكتور سعيد سعدي، الرئيس الأسبق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ، وهو ما قوبل بترحيب حذر من أوساط سياسية وإعلامية.

في المقابل، قوبلت هذه الرسائل بموجة تشكيك من ناشطين اعتبروها أقرب إلى مناورة سياسية موجهة لتحسين صورة النظام أمام الشركاء الغربيين، حتى إن بعضهم وصفها بـ”الخرجة الملغومة”. وعلى مواقع التواصل، تحولت الدعوة إلى مادة للسخرية، إذ ربط معلقون بين فكرة العودة والاعتقال الفوري.

المفارقة الأولى: نصيرة ديتور تُمنع من دخول وطنها

في واقعة اعتُبرت من أبرز تجليات هذه الفجوة، مُنعت الناشطة الحقوقية نصيرة ديتور، المعروفة بنضالها منذ 1997 من أجل كشف حقيقة حالات الاختفاء القسري، من دخول الجزائر عند وصولها إلى مطار هواري بومدين قادمة من فرنسا. وبحسب روايتها، استُجوبت لساعات ثم رُحّلت إلى باريس، لتكتشف داخل جواز سفرها الجزائري محضر إبعاد استند إلى قانون ينظم دخول الأجانب، رغم كونها مواطنة جزائرية.

وطالبت مسؤولة أممية لاحقاً بتوضيح من السلطات الجزائرية بشأن هذا المنع، فيما اعتبر الأمين العام للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان أن الواقعة تحمل “رسالة ترهيب” موجهة إلى الجالية في الخارج. وقد رفضت محكمة جزائرية لاحقاً طعن ديتور، ما دفعها للإعلان عن نيتها اللجوء إلى الهيئات الدولية، قبل أن يتم تسميع مقر جمعيتها بالعاصمة الجزائر.

كما سبق وأن لقي الصحافي الجزائري، فريد عليلات نفس السيناريو ، بعد منعه من دخول بلاده مع إعداة ترحيله إلى فرنسا.

إحسان القاضي: أربع سنوات بلا جواز سفر

يبقى ملف الصحفي إحسان القاضي، مؤسس “راديو أم” و”مغرب إمرجون”، من أكثر الملفات دلالة على استمرار القيود رغم خطاب الانفتاح. فبعد توقيفه نهاية 2023 وسجنه نحو 22 شهراً ، أُفرج عنه في نوفمبر 2024 دون أن يُرفع عنه قرار منع السفر الصادر منذ أفريل 2021 ومصادرة جواز سفره.

وتجدد هذا الواقع في أكتوبر 2025 حين مُنع من مغادرة البلاد لتسلّم جائزة دولية للحرية الإعلامية في ألمانيا، فيما أشارت تقارير حقوقية محلية إلى استمرار هذا التضييق كمثال على الفجوة بين الخطاب الرسمي وممارسات بعض الأجهزة القضائية والأمنية.

بن فضيل وزملاؤه الصحفيين : منع بلا تبليغ رسمي

أعادت واقعة منع الصحفي والكاتب المسرحي مصطفى بن فضيل من مغادرة الجزائر للمشاركة في مهرجان أفينيون المسرحي بفرنسا فتح النقاش حول هذه الازدواجية. وبحسب بيانه، تعود القضية إلى استدعائه من مصالح الاستعلامات العامة في جانفي 2026 على خلفية مقال نشره حول ملف الغاز الصخري، دون أن يُصحب منعه من السفر بتبليغ قضائي أو إداري رسمي.

وأثارت الواقعة تضامناً واسعاً من أوساط إعلامية وثقافية وسياسية، خصوصاً أن عدداً من زملائه الصحفيين طالتهم في الفترة ذاتها قيود مماثلة على التنقل ، في وقت وصفه الكاتب حميدة العياشي بأنه يرسل “رسائل متناقضة” مع الخطاب الرسمي الداعي إلى توسيع فضاءات التعبير.

فتحي غراس: من السجن إلى الملاحقة المتكررة

يمثل ملف المعارض فتحي غراس، المنسق الوطني لحزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية (حزب تم تجميد نشاطه بقرار من القضاء الإداري )، نموذجاً آخر على استمرار الملاحقات القضائية للأصوات المعارضة.

فبعد إدانته سابقاً بالسجن عاماً كاملاً وقضائه تسعة أشهر في سجن الحراش، وُجّهت إليه في أكتوبر 2025 تهمتا “إهانة رئيس الجمهورية” و”نشر أخبار كاذبة”، حيث طلبت النيابة الحكم عليه بثلاث سنوات سجناً نافذاً مع غرامة مالية، قبل أن تقضي المحكمة بسجنه سنتين نافذتين.

وأكدت زوجته، القيادية في الحزب ذاته، أن جميع القضايا التي استهدفت زوجها “مرتبطة بمواقفه السياسية وانتقاداته العلنية للسلطة”، فيما اعتبر فريق دفاعه أن تصريحاته تندرج ضمن حرية التعبير المكفولة دستورياً.

“كنابست”: دعوى حل نقابة على خلفية الإضراب

في القطاع النقابي، تحركت وزارة العمل، بدعم من وزارة التربية، في مارس 2026 برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية تطالب فيها بحل النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي التدريس (كنابست)، مستندة إلى عدم مطابقتها مع قانون النقابات، وذلك عقب سلسلة إضرابات نظمتها النقابة.

ووصفت “كنابست” هذه الخطوة بأنها محاولة لتحييدها والتشكيك في شرعيتها، متحدثة عن “تعسف إداري” طال قياديين نقابيين، من بينهم إلزامهم بالتوقيع الإجباري في مقار أمنية. من جهتها، عبّرت كونفدرالية النقابات الجزائرية عن رفضها لدعوى الحل، مطالبة بوقف “التضييق” وفتح قنوات الحوار.

رجال الأعمال وقيود التنقل

لم يقتصر المنع من السفر على النشطاء والصحفيين والسياسيين، إذ شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة عدة قرارات بمنع رجال أعمال بارزين من مغادرة البلاد ومصادرة جوازات سفرهم على خلفية تحقيقات في قضايا فساد، من بينها قرار قضائي طال أغنى رجل أعمال في البلاد ووضعه تحت الرقابة القضائية ومنعه من شغل أي منصب إداري في مؤسساته.

وبينما تصف السلطة هذه الإجراءات بأنها تدابير احترازية قانونية مرتبطة بملفات قضائية محددة، يرى منتقدون أن اتساع دائرة المنع من السفر لتشمل فئات متعددة من رجال الأعمال والنشطاء والصحفيين يعكس توجهاً أوسع نحو تقييد حرية التنقل بشكل عام.

إلى جانب هذه الحالات الفردية، أفادت مصادر متعددة بأن عدداً من أفراد الجالية الجزائرية في الخارج تلقوا مراسلات من جهات رسمية بخصوص أنشطتهم أو مواقفهم، دون أن تتوفر معطيات كافية للتحقق من الجهات المحددة الصادرة عنها هذه المراسلات أو نطاقها الكامل، وهو ملف ما زال يستدعي مزيداً من التوثيق والشفافية.

من يتحمل مسؤولية العزوف والهجرة؟

على الصعيد السياسي، برز بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي سجلت نسبة مشاركة متدنية تاريخياً جدل حاد حول المسؤولية عن هذا العزوف. فبينما وجّهت “سلطة الانتخابات” وقطاع من وسائل الإعلام المقربة من دوائر القرار أصابع الاتهام إلى الأحزاب السياسية، اعتبرت المعارضة أن هذا العزوف يمثل “إنذاراً جماعياً” موجهاً إلى السلطة نفسها، لا نتيجة تقصير حزبي.

ويرى محللون أن القيود القانونية المفروضة على العمل الحزبي، إلى جانب الملاحقات القضائية للنشطاء، تجعل من الصعب فصل مسؤولية “المقاطعة الشعبية” عن سياق أوسع من إغلاق الفضاء السياسي. الجدل ذاته يتكرر حول ملف الهجرة غير النظامية، حيث سبق لبيانات رسمية أن هاجمت جهات “لم تحددها” واتهمتها باستغلال إحصائيات الهجرة السرية لتشويه صورة البلاد، في حين يربط معارضون ارتفاع معدلات الهجرة بضيق الأفق السياسي والاقتصادي الذي يعيشه الشباب.

احتياطي الصرف بين التطمينات والتحذيرات

اقتصادياً، أثارت تحذيرات مؤسسات مالية دولية، من بينها صندوق النقد الدولي، بشأن اتساع العجز المالي واحتمال استمرار تراجع احتياطيات الصرف، التي انتقلت وفق بعض التقديرات من أكثر من 70 مليار دولار سنة 2024 إلى ما بين 38 و64 مليار دولار في تقديرات مختلفة لسنة 2026، جدلاً بين مسؤولين اقتصاديين اعتبروا أن هذه التحذيرات “ليست جديدة” وترتبط باستمرار اعتماد المالية العمومية على الإيرادات النفطية، وبين أصوات معارضة رأت في تباين الأرقام واستمرار العجز البنيوي مؤشراً على هشاشة النموذج الاقتصادي الحالي، رغم تقارير أخرى أكثر تفاؤلاً صادرة عن مؤسسات مالية إفريقية ودولية.

في المقابل، رفض الرئيس تبون في تصريحات سابقة وجود “معتقلي الرأي” في الجزائر، ووصف هذا الطرح بأنه غير دقيق، مؤكداً أن الملاحقات القضائية التي تطال بعض النشطاء والصحفيين مرتبطة بتهم يعاقب عليها القانون لا بممارسة النشاط الصحفي أو السياسي.

غير أن هذا الموقف قوبل برفض من أحزاب المعارضة التي جددت مطالبتها بحوار وطني شامل يفضي إلى خارطة طريق واضحة للخروج مما وصفته بالأزمة متعددة الأبعاد التي تعيشها البلاد.

و بين إعلانات متكررة عن حوار وطني لم يتحدد موعده النهائي، وخطاب رئاسي يدعو معارضي الخارج إلى العودة والمشاركة في النقاش العام، تستمر في الوقت نفسه، بحسب شهادات موثقة ومنظمات حقوقية، إجراءات المنع من السفر ومصادرة جوازات السفر والملاحقات القضائية التي طالت نشطاء وصحفيين ونقابيين ورجال أعمال.

هذه الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الميدانية تبقى، وفق متابعين، أحد أبرز العوامل التي تغذي التشكيك في جدية مسار الانفتاح السياسي الذي تروّج له السلطة، وتجعل من مسألة الحوار الوطني اختباراً حقيقياً لمدى تطابق الأقوال مع الأفعال، فمن ييمنع فعلاً حوار الجزائريين فيما بنهم في ظل كُل ما سبق من جدل وتعطيل متواصل ?

Partager cet article